الدكتور سايد حرقص

من ثمارهم تعرفونهم: بروباغندا بدل إصلاح

5 دقائق للقراءة

​تُعلِّمنا قصص التاريخ أن الكلام وحده لا يغيّر الواقع، بل الأفعال والأعمال هي التي تكشف حقيقة النوايا. ففي الدول الأوروبية والولايات المتحدة، على سبيل المثال، كثير من السياسيين قد يعلنون عن خطط إصلاحية ضخمة، لكن المواطنين يتذكرون عند الانتخابات النتائج الفعلية: مشاريع لم تُنفَّذ أو أموال أُهدِرَت بلا محاسبة، فيكتشفون الحقيقة وراء الشعارات ويحاسبون المسؤولين.

​في لبنان، يخوض التيار الوطني الحر في الآونة الأخيرة حملة إعلامية يروِّج من خلالها أنه "قدّم اقتراح قانون لاستعادة الأموال المُهرّبة إلى الخارج"، ويُصِرّ على أن المشروع لا يزال عالقًا بين الرئيس نبيه بري والنائب جورج عدوان. لكن خلف هذه الصورة، هناك واقع مختلف تمامًا؛ فالمشكلة في لبنان لم تكن يومًا في غياب القوانين، بل في غياب تطبيقها.

​لبنان هو أحد أكثر الدول العربية غزارة في إنتاج القوانين والنصوص التشريعية. لدينا قوانين لمحاربة الفساد، وأخرى لتبييض الأموال، وثالثة لتنظيم الصفقات العمومية، وقوانين لملاحقة الجرائم المالية. لكن، أين العبرة؟ العبرة تكمن في التنفيذ. فالدولة التي عجزت عن تطبيق أبسط النصوص، كيف ستنجح في استعادة الأموال المنهوبة بمجرد "اقتراح قانون" جديد يُضاف إلى رفوف مجلس النواب؟

​حتى في التجارب الواقعية العالمية، نرى كيف أن الفشل في التنفيذ يقوِّض أي مشروع إصلاحي على سبيل المثال لا الحصر:

- ​إيطاليا: في التسعينيات، أعلنت الحكومة عن سلسلة قوانين صارمة لمحاربة الفساد المالي. لكن ضعف الرقابة وتواطؤ بعض المسؤولين جعل هذه القوانين حبرًا على ورق، بينما كانت الأموال العامة تُهدر بلا محاسبة. السكان تعلموا أن الإعلانات الكبيرة لم تكن سوى بروباغندا سياسية.

- ​اليونان: بعد الأزمة المالية في 2008، فرضت الدولة قوانين صارمة لمكافحة التهرب الضريبي. على الورق، بدت الإجراءات مذهلة، لكن التنفيذ كان ضعيفًا، مما سمح لمئات الملايين من اليورو أن تتسرب من الخزينة، فيما المواطن العادي يتحمل العبء الضريبي.

- ​الهند: أصدرت الدولة قوانين مكثفة لمكافحة الفساد الحكومي، لكن البيروقراطية المعقدة والمصالح السياسية أعاقت التطبيق، ما جعل المواطنين يعتمدون على الضغط الإعلامي وليس على القانون نفسه.

​في لبنان، فشل التيار الوطني الحر فشلًا ذريعًا على مدى خمسة عشر عامًا في مشاريع السدود التي كلفت الخزينة مئات ملايين الدولارات دون أن ينجح في بناء سد واحد صالح لتجميع المياه، ومشروع الكهرباء الذي اعتمد فيه على استئجار البواخر قبل تحسين الجباية، مما أدى إلى تكبيد الخزينة اللبنانية خسائر قدرت بمليارات الدولارات مما ساهم في تفاقم الازمات المالية للدولة اللبنانية. ومع كل هذه الإخفاقات الضخمة، يسارع في كل ملف حيوي إلى بروباغندا دعائية لتذكير الرأي العام بأن "التيار سبق وقدّم اقتراح قانون بهذا الشأن"؛ مثل المشعوذ الذي يريد أن يقنع المريض أن تعويذة سحرية تشفيه من السرطان.

​هذا النهج يعطي انطباعًا مضلِّلًا، وكأن المشكلة في لبنان تكمن في التشريع وليس في التنفيذ. في الواقع، كثرة الاقتراحات دون أفق للإقرار أو التنفيذ ليست إصلاحًا، بل هروبًا إلى الأمام، وتوظيفًا سياسيًا لخدمة الصورة الحزبية على حساب مصالح المواطن والوطن.

​غالبًا ما تُقدَّم الاقتراحات وهي مدركة مسبقًا أنها لن ترى النور؛ إما لكونها تتعارض مع مصالح التوازنات السياسية القائمة، أو لأنها غير قابلة للتطبيق في ظل بنية الدولة الحالية. ومع ذلك، تُستخدم هذه الاقتراحات كأداة للبروباغندا السياسية: "نحن نحارب الفساد عبر التشريع"، في حين أن المعركة الفعلية ضد الفساد تحتاج إلى قضاء مستقل، وإرادة سياسية صلبة، وتفعيل الأجهزة الرقابية في الدولة، لا إلى نصوص إضافية لا تخدم مصالح الوطن والمواطن.

​بهذا الأسلوب، يُمارَس على الناس نوع من الغش السياسي؛ وهو إيهامهم بأن العلة في نقص القوانين، بينما الحقيقة أن المشكلة في غياب التنفيذ والتدخلات السياسية التي تحوّل تطبيق القوانين إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة والزبائنية السياسية. ويهدف هذا الغش إلى تبييض صفحة التيار وإظهاره في موقع "المحارب الوحيد للفساد"، بينما الوقائع اليومية والممارسات السابقة في مشاريع السدود والكهرباء والاتصالات والخارجية تكذب هذا الادعاء.

​لبنان اليوم ليس بحاجة إلى قوانين جديدة بقدر ما هو بحاجة إلى قرار صادق وقوي لدولة تطبّق ما لديها من قوانين بشفافية وتجرّد. وكل محاولة لبيع الناس أوهامًا من خلال اقتراحات غير قابلة للتطبيق ليست سوى بروباغندا سياسية تُضاف إلى سلسلة الخداع والغش التي أوصلت البلد إلى الإفلاس والانهيار على جميع الصعد.

​كما يذكرنا مثل صيني قديم: "إن أردت أن تعرف الرجل، لا تسمع ما يقول، بل انظر إلى أفعاله". في لبنان، الأفعال وحدها ستكشف من يسعى للإصلاح الحقيقي ومن يمارس بروباغندا الخداع.