في عالم يركض بسرعة الضوء وتغمره صُوَر المدن وأجساد البشر المضيئة في كلّ ركن، تخرج ألكسندرا كليماس عن هذا الإيقاع اللاهث، وتقرّر الالتفات إلى ما لا نراه وما نحجبه عن وَعيِنا بمرور العادة والاستهلاك: الحيوانات. الأبقار، الدجاج، الأرانب، الأسماك... تلك الكائنات التي نحصرها في كتب العلوم أو على رفوف المتاجر، تصبح في لوحاتها موضوعًا للحنان والتأمُّل، وأحيانًا للمواجهة.
تحت ريشة كليماس تتحوّل الأبقار من مجرّد "حيوانات مزرعة" إلى شخصيّات كاملة، لها نظراتها وملامحها وكرامتها. وكأنّ الفنانة تمارس فعل استرجاع للكرامة المسلوبة، والهوية المغيّبة، والصوت الذي لا يُسمع.
وُلدت ألكسندرا كليماس سنة 1970 في قرية صغيرة بهولندا، واختارت أن تسلك طريقًا مغايرًا للرسّامين التقليديّين. لم تتلقَّ تعليمًا أكاديميًا في الفن ولم تجلس على مقاعد مدارس الفنون المرموقة، بل علّمت نفسها بنفسها، بهدوء، وبمرافقة النماذج الحيّة من حولها: الحيوانات. نشأت في مزرعة أجدادها وسط البقر والدجاج والخيول، وكانت ترى في هذه الكائنات ما يتجاوز مفهوم "الحيوان المفيد"، كانت ترى أرواحًا.
هذه البداية الريفية، الصادقة، شكّلت جوهر رؤيتها الفنية. اليوم، تعيش كليماس في منزل على مشارف الريف الهولندي، محاطة بالحيوانات التي تشاركها يومها. لا ترسم من صُوَر الإنترنت أو من الخيال، بل من الملاحظة الحيّة، من التفاعل الشخصي. تراقب، تسمّي، ترسم.
في عالمها، لا أحد بلا اسم: "نانسي" العجل، "سوزان" البقرة، "مييب" الدجاجة، "بوني" بقرة غالواي الصغيرة. تسميتها للحيوانات ليست عشوائية، بل فعل اعتراف بفرادتها.
ما قبل اللّوحة
كثيرًا ما يُطرح على كليماس سؤال بسيط في ظاهره: "كم من الوقت تستغرقين في رسم لوحة؟". لكنها تجيب بأنّ اللوحة لا تبدأ على القماش. هناك ما هو أعمق: الملاحظة، القرب، الفهم.
تقضي ألكسندرا كليماس ساعات طويلة في الخارج، وسط الطبيعة، تمشي بين الحيوانات، تلمسها، تراقبها وهي تأكل وتنام وتتفاعل مع بعضها. هذا الاتصال المباشر يتيح لها أن ترى ما لا يمكن للعدسة أو الصورة الثابتة أن تلتقطه: الشخصية، السلوك، والحالة النفسية.
ترسم مئات "الاسكتشات" باستخدام الفحم، لأنه يسمح لها بالتقاط الحركة بسرعة، ثم تأخذ صورًا تكميليّة. بعدها تبدأ المرحلة الثانية: دراسة الضوء، والظلّ، والتكوين البصري، وأحيانًا تجرّب ألوانًا زيتيّة صغيرة لاختبار الجوّ المناسب للعمل النهائي.
هي لا تبحث فقط عن الجمال الخارجي، بل عن لحظة الصمت التي تجعل المشاهد يتوقّف. أن يشعر بأن هذا الحيوان ينظر إليه، يكلّمه.
الواقعيّة بروح حرّة
أسلوب كليماس تقنيّ للغاية، أقرب إلى الواقعية المفرطة، لكنها لا تكتفي بالإبهار البصري، هناك دائمًا شيء ينبض خلف الطلاء. شيء يشبه الحضور الحقيقي.
الأنوف، العيون، الفرو، وحتى البؤبؤ الرطب، كلّها مرسومة بتفاصيل دقيقة تذكّرنا برسّامين من القرن السابع عشر. لكنّها، بخلاف الواقعيّين التقليديّين، تترك مساحة للضباب، للهامش، للحركة الحرّة في الخلفيّة. هذا التباين بين المقدّمة المفصّلة والخلفيّة الحالمة يخلق توترًا بصريًّا يجذب العين ولا يريحها. ويذكّرنا أسلوبها أحيانًا، بأعمال بولوس بوتر أو كارافاجيو في تناول الحيوان، أو دوندكوتر في الطيور، لكنّ كليماس تضيف عنصرًا نادرًا: التعاطف. لا ترسم البقرة فقط، بل تحتضنها بريشتها.
من الحيوان إلى "البورتريه"
واحدة من أكبر إسهامات ألكسندرا كليماس في الفن المعاصر، هي كسرها للفصل التقليديّ بين "الإنسان الجدير بالبورتريه" و "الحيوان الذي يُرسَم ضمن مشهد". فالحيوان عندها هو موضوع "البورتريه"، هو الوجه، هو الكيان، هو الذي ينظر إليك لا العكس.
في أعمالها، تتحوّل البقرة إلى رمز، السمكة الذهبية إلى كائن شعري، الدجاجة إلى مخلوقة ملكيّة. كل لوحة تشبه مرآة، تُرينا الحيوان، ثم تُرينا أنفسنا فيه.
حضور عالمي خارج الضجيج
منذ انطلاقتها المهنية سنة 2008، أثبتت ألكسندرا كليماس نفسها كاسم بارز في عالم الفن الواقعي المعاصر. عُرضت أعمالها في غاليريات مشهورة مثل "Plus One Gallery" في لندن، و"Galerie Van Loon" و "Lieve Hemel" في هولندا، وشاركت في معارض دولية في أندورا والولايات المتحدة الأميركيّة.
عام 2024، قدمت معرضًا فرديًا بعنوان "السّكينة الريفيّة"، وُصف بأنه تجربة بصريّة هادئة لكن عميقة. كما شاركت في "معرض الطيور في الفن" بـ "متحف لي يواكي وودسون"، وهو واحد من أبرز المعارض الدولية للرسّامين الطبيعيّين. واختيرت أعمالها في مسابقات عالميّة مثل "ARC Salon"، حيث حصدت جوائز عن لوحتَي "غريفين الثور" و "سوزان البقرة". ورغم هذا النجاح، لا تزال كليماس بعيدة عن الدوائر التجاريّة الصاخبة، ترفض العروض التي لا تنسجم مع رؤيتها، ترسم بهدوء. تراقب. تستمر.
ماذا تعلّمنا كليماس؟
الفن، في نظر كليماس، ليس صراخًا، بل نظرة. ليس صدمة، بل استيعاب. هي تدعونا إلى التمهّل، إلى الإصغاء لصمت الحيوان، إلى النظر في عين بقرة أو سمكة أو دجاجة، لا لرؤيتها ككائن دونيّ بل كشخص.
تسألنا: هل سبق لك أن نظرت في عينَيّ بقرة؟، هل شعرت بالحزن في عين عجل صغير؟، هل رأيت الفرق بين دجاجة محبوسة ودجاجة حرّة؟
كلّ لوحة من لوحاتها أشبه بمفتاح تأمّل، ليست موجّهة لهواة الجوائز أو للمستهلِكين العابرين، بل لأولئك الذين يؤمنون بأنّ الجمال في التفاصيل الصغيرة، في التنفّس الهادئ، في لحظة صمت مشتركة بين الإنسان والحيوان.
مقاومة ناعمة
في زمنٍ تتكاثر فيه المفاهيم المعقّدة والأعمال التي تبحث عن الصدمة والإثارة، تقف ألكسندرا كليماس كصوت مضاد. لا تصرخ. لا ترفع شعارات. لكنّها تقدّم لنا مقاومة ناعمة، روحيّة، إنسانيّة. فنّها ليس فقط ترفًا بصريًّا، بل تذكير بأننا لسنا وحدنا على هذه الأرض، وأنّ هناك من ينظر إلينا أيضًا، وأنّ أنف حيوان، "بورتريه" بحجم كفّ، يمكنه أن يعيد ترتيب رؤيتنا للعالم.
لا تقتصر أهمية أعمال ألكسندرا كليماس على بُعدها الجماليّ فحسب، بل تمتد لتلعب دورًا في نشر الوعي بحقوق الحيوان وضرورة إعادة التفكير في علاقتنا به. عبر لوحاتها، تفتح بابًا للنقاش حول الاستغلال الصناعي للكائنات الحية، وتقدّم الفن كوسيلة للمساءلة الأخلاقية. فبدلًا من الصُّوَر الصادمة أو الحملات المباشرة، تستخدم كليماس لغة الرقّة و "البورتريه" الصامت لتصل إلى وجدان المتلقّي. هذه المقاربة غير المباشرة تزيد من تأثيرها، لأنها لا تُجبر المشاهد على الشعور بالذنب، بل تدعوه للتأمل والانفتاح على رؤية أكثر إنسانية تجاه "الآخر" الحيواني.
سنُوي الأرنب الأول من أبرز أعمال الرسّامة ألكسندرا كليماس، لوحة بعنوان "سنُوي الأرنب الأول". رسمتها بزيت على قماش بحجم 100 × 80 سم. لا تصوّر الأرنب كرمز للبراءة فحسب، بل تسرد من خلاله قصّة قاسية عن صناعة اللحوم. الأرنب في اللوحة كان يُربّى من أجل لحمه. مثل معظم الأرانب الصناعيّة يُفصَل عن أمّه في عمر العشرة أسابيع، يوضع في قفص صغير، لا يستطيع أن يتحرّك. يعيش في بيئة مليئة بالتوتّر والألم حتى يُقاد إلى الذبح. لكنّ الأرنب في هذه اللوحة نجا وجرى إنقاذه. اللوحة هنا لا تُدين فقط، بل تشهد. إنها دعوة للتفكّر: هل نرى هذه الكائنات كأرواح؟ أم كأشياء؟ |



