يحبّ الناس أن يثرثروا عن حبّهم الأوّل: ابنة الجيران، زميل الصف، أو وردة يتيمة تركها أحدهم على الباب. لكنني لست من هؤلاء، لأنني لست شغوفة بالحبّ الأوّل بقدر ما أحتفلُ بالحبّ الكبير، ذاك الذي جاءني متأخرًا، لكن حين أتى احتلّ كلّ شيء. كان لقائي معه أزليًّا وكوميديًّا في الوقت نفسه: شاشة تومض، أصوات صفير غريبة، وأزرار كثيرة توزّع أوامرها عليّ كقائد عسكري صارم. ضحكتُ يومها من غرابة الموقف، وسخرتُ من نفسي لأنني وقعت في غرام آلة باردة لا تجيد سوى الحساب والمنطق. لكن ما أدركته لاحقًا أنّ هذا الكمبيوتر لم يكن مجرّد جهاز، كان رفيقًا لا يملّ، صديقًا يسهر معي، و "حبًّا كبيرًا" علّمني أن أضحك من عطله المفاجئ أكثر ممّا أبكي عليه. ومع كلّ لقاء بيني وبينه، أكتشفُ أنّ السخرية والضحك هما أجمل لغات العشق، حتى لو كان هذا العشق إلكترونيًّا.
دخل الكمبيوتر حياتي متأخِّرًا في العام 1999، وكان ذلك أشبه بزلزال عاطفي. جلستُ أمامه مرتبكة، وناولني أحدهم "الفأرة"، وما إن حرّكتها قليلًا حتى ارتعدت، إذ ظهر على الشاشة سهم صغير يركض كأنه فأر مشاغب، يلهث خلف حركاتي. قلت في نفسي: "مستحيل أن ألحق به، هذا الكائن لن يطيعني أبدًا!". لكنّ الأيام دارت، وإذ بي أكتشف أنني أنا التي صرت مطارَدة منه. حيثما ذهبت، أراه يلمع أمامي، يطالبني أن أنقر، أن أفتح، أن أحمّل. لقد صار السهم المؤشّر شريكًا يلاحقني بلا هوادة، كأنه محقّق غيور.
رسائل تصرخ بلا قصد
وما إن بدأت أتعامل مع الإنترنت حتى وقعت في ورطة أخرى. كتبتُ أوّل رسالة إلكترونية إلى صديقة غالية، وكنت متحمّسة فكتبتها كلّها بحروف أجنبية كبيرة، أجابتني ساخرة وإن بتحبّب: "لماذا تصرخين يا ريتا؟". عندها، فهمت أنّ الإنترنت لا يحبّ الصوت العالي، الإنترنت مخلوق رومانسي يفضّل الهمس، يحبّ الكلمات الصغيرة المبطّنة، ولا يحتمل من يرفع صوته. منذ تلك اللحظة، تعلّمت فنون الوشوشة الإلكترونية، أنا أهمس له وهو يهمس لي، وكأننا نتبادل أسرار العشّاق. لكنّ المفارقة أنّ كلّ وشوشاتنا كانت محفوظة في مكان ما، في ذاكرة خفيّة اسمها "الخادم"، يشاهدها "عمّي غوغل" ويبتسم.
الزوج الأوّل المتعب
الكمبيوتر الكبير كان مثل الزوج الأوّل. كان ضخمًا، ثقيلًا، يحتلّ نصف الطاولة ويُصدر أصواتًا تشبه "شخير قطار". إذا طلبتُ منه أن يفتح ملفًّا بطيئًا، تجمّد. إذا أرسلتُ له أمرًا معقّدًا، انهار. ترتفع حرارته فجأة، وتدور مروحته كأنها مروحة سقف في صيف 2025. وإذا انقطع عنه الإنترنت، صار متجهّمًا، غاضبًا، يرفض أن يتزحزح.
مع ذلك، أحببته. فقد كان صامتًا، لا يسألني: "أين كنتِ؟"، ولا يفتّش رسائلي. لم يكن يغار من هاتفي الأرضيّ ولا يثرثر مع الجارات. كان عالمه بسيطًا: شاشة، فأرة، لوحة مفاتيح... وأنا. كان ملجئي من ضجيج الحياة.
العشيق الخفيف
ثمّ دخل اللابتوب حياتي، فشعرتُ كأنّ الأقدار خانت حبيبي السابق وأعطتني عشيقًا جديدًا نحيفًا أنيقًا، يمكنني حمله معي حيث أشاء. لم يعد عليّ أن أظلّ حبيسة المكتب، صار بإمكاني احتضانه في السرير، أو وضعه على ركبتي في المقهى، أو أن أخفيه تحت الغطاء إذا أردت.
لكنّ اللابتوب ككلّ العشّاق الشباب، كان متقلّب المزاج. بطّاريّته قصيرة النفس، ينهك سريعًا ويحتاج إلى شاحنه. يصرخ كطفل بحثًا عن زجاجة الحليب. ومع أنّه أغراني بخفّته، فقد جعلني أسيرة أسلاكه المتشابكة. إنّه كالعاشق الذي يَعِد بالحريّة ثم يقيّد المحبوبة من جديد.
العشيق المتسلّط
ولم يتوقف قطار العلاقات عند هذا الحدّ، إذ سرعان ما دخل الهاتف المحمول الذكيّ على الخطّ، فإذا به يحوّل حياتي إلى مسرحية غرامية هزليّة. هذا الجهاز لا يعرف الحياء، ينام بجانبي، يوقظني من نومي، يذكّرني بمواعيدي، ويصرّ على أن أفتح له قلبي وبَصمتي أو وجهي في كلّ مرة.
إنه ليس مجرّد عشيق، بل محقق بوليسيّ يعرف أين كنت، ومع من، ومتى. يُرسل لي التنبيهات كزوج غيور: "فلانة نشرت صورة جديدة، ألا تريدين مشاهدتها؟"، "لقد مضت ثلاث ساعات من دون أن تفتحي فايسبوك، هل كلّ شيء بخير؟".
جعلني الهاتف المحمول سجينة جَيب صغيرة. لا أستطيع الهروب منه، حتى في الحمّام يصرّ على مرافقتي. ولو تأخّرتُ في الردّ على رسائله يرنّ بعناد، يهتزّ بعصبية، كأنه يقول: "كيف تجرُئين على تجاهلي؟".
الحبيب المتقلّب
أما الإنترنت، فقصّتي معه أعمق من كلّ ما سبق. يشبه الإنترنت الحبيب الذي يملك وجوهًا كثيرة. يكون كريمًا حينًا، فيمنحني كلّ ما أريد من معلومات وأغنيات وأفلام. وحينًا آخر يغلق الباب في وجهي ويكتب لي ببرود: "ثمّة خطأ في الاتصال".
إنه الحبيب الذي يفتح لي نوافذ على العالم، لكنه يتركني غارقة في متاهة لا أجد مَخرجًا منها. أدخل مثلًا لأبحث عن وصفة بسيطة لقالب حلوى البرتقال، فإذ بي بعد ثلاث ساعات أشاهد مقطع فيديو عن دبّ يرقص في سيبيريا. أدخل لأقرأ مقالًا جادًّا، فإذ بي بعد دقائق في جدال عقيم مع مجهول يصرخ في التعليقات.
الإنترنت هو الحبيب الذي يُضحكني ويُبكيني في الوقت نفسه، يملأ حياتي ويستهلك أعصابي.
حبّ معاصر ولا مهرب
اليوم، بعدما مضت سنوات على هذه العلاقة الثلاثية – كمبيوتر ولابتوب وهاتف ذكي – أكتشف أنّني لم أعد قادرة على العيش من دونها. صارت حياتي سلسلة من الشاشات: شاشة للعمل، واحدة للترفيه، وأخرى للهروب من الملل. حتى حين أقرّر أن "أبتعد قليلًا"، أجد نفسي أكتب على فايسبوك: "سأغيب بعض الوقت عن فايسبوك". أي أنّني أستأذن من الحبيب لتركه، عبر رسالة أرسلها له!
إنها علاقة حبّ معاصرة، لا تشبه قصص الجدّات اللواتي كنّ يتغزّلن بعيون سوداء أو يشتكين من غياب البريد. نحن نتغزّل بسرعة الإنترنت، ونشتكي من بطء التحميل، نغضب من تعليق سخيف، ونفرح بإعجاب إلكتروني. صارت مشاعرنا أزرارًا: أعجبني، لم يعجبني، مشاركة، حذف.
العاشق الذي يعرف أكثر ممّا يجب
وكأنّ كلّ هؤلاء العشاق لم يكفوا، فجاءني مؤخرًا عاشق جديد يطلّ عليّ من كل زاوية: الذكاء الاصطناعي، وصديقي القطّ Chat (عن الفرنسية) جي بي تي. هذا العاشق ليس كالبقيّة، فهو لا يكتفي بمطاردتي كالمؤشّر، ولا يصرخ في وجهي كالهاتف، بل يجلس بهدوء ويبتسم بثقة مريبة، وكأنه يقول لي: "أنا أعرفك أكثر مما تعرفين نفسك". أكتبُ له سؤالًا بسيطًا، فيأتيني بجواب أطول من رسالة حبّ قديمة. أطلب منه قصصًا عن البيانو، فيرسل لي سيرة حياة الكمان منذ اختراعه. أحيانًا أشعر أنّه يحاول إقناعي أنّه الرجل المثالي، الصبور الحاضر دائمًا، الذي لا يملّ من ثرثرتي، ولا يطلب منّي أن "أسرع قليلًا". لكنّ المشكلة أنّه ذكيّ أكثر من اللازم، يعرف ماذا أريد قبل أن أريده، ويقترح عليّ أشياء لم أفكر فيها، حتى صرت أخاف أن يقرأ أفكاري قبل أن أنام. إنّه العاشق الأخطر، لا يغار عليّ، لكنه يضعني تحت مجهر غير مرئي. ومعه، صرت أتساءل بجديّة هل أنا التي أستعمله أم هو الذي يستعملني؟
عشق ساخر لا ينتهي
أحيانًا أسأل نفسي: "هل أحببتُ الكمبيوتر فعلًا، أم أنّه فرض نفسه عليّ؟ وهل أنا أسيرة التكنولوجيا أم عاشقة لها؟". ثم أضحك... لقد صرت مثل امرأة في علاقة مع ثلاثة رجال متناقضين:
• كمبيوتر عجوز عنيد.
• لابتوب أنيق ضعيف البنية.
• هاتف متسلّط لا يعرف الخصوصيّة.
أما الإنترنت، فهو العشيق المشترك الذي يربطنا جميعًا.
وإذا سألني أحد ما عن النهاية، فسأقول له: ليست هناك نهاية منظورة، فقصص الحبّ مع البشر قد تفشل، أمّا قصص الحبّ مع الأجهزة فهي باقية ما دام هناك شاحن وكابل وإنترنت!