منذ أن عرف الإنسان الحياة الجماعية وُلدت معه هرمية توزيع السلطات بين أفراد الجماعة ومع تطوّر الإنسان وتطوّر مفهوم الحياة الجماعية ونشأة الكيانات السياسية من القبائل وصولاً الى الدول بمفهومها الحديث، قاعدة ثابتتلم تتغير على مر مئات والاف السنين "مبدأ شرعية احتكار القوة للسلطة الحاكمة"، إذ للسلطة وحدها حق استعمال القوة المسلحة لفرض النظام والإستقرار.
منذ نشأته التزم لبنان مبدأ احتكار السلطة لقرار السلم والحرب ولشرعية السلاح وهذا ما منح لبنان واللبنانيين الإستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الى ان بدأ التفلت الأمني وانتشار السلاح خارج إطار الشرعية بمسميّات مختلفة فتفجّرت حرباً دامية من الاقتتال والاعتداء على السيادة 15 عاماً (1975-1990) وانتهت بإتفاق سياسي على حصر السلاح بيد الشرعية مجدداً وفق مقررات وثيقة الوفاق الوطني واتفاق الطائف.
لكنّ التنفيذ المجتزأ لهذا الاتفاق، والخضوع لوصاية النظام السوري، دمّرا أسس الدولة وحوّلاها إلى كيان هش تحكمه موازين القوى بدل المؤسسات. ومن رحم هذا الواقع، برز حزب الله كقوة مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة، مدعوماً من نظامَي دمشق وطهران، فحافظ على سلاحه تحت شعار "المقاومة" في حين سلّمت بقية القوى سلاحها. واستمر هذا القضم للكيان المؤسساتي للدولة حتى بعد انتهاء الوصاية السورية اذ استبدلت بالاحتلال المقنع الايراني يقوده حزب الله مدعوماً من محور الممانعة على رأسهم حليفيه الرئيسيين حركة امل والتيار الوطني الحر وتحكموا سوياً بمفاصل السلطة الى البارحة.
إذاً نُحر في المهد ما كان يفترض ان يكون نهاية زمن الميليشيات لصالح دولة واحدة بجيش واحد، لصالح ميليشيا حزب الله فبقي سلاحهم خارج سلطة الدولة تحت عنوان "المقاومة" خلافاً للدستور والقانون واستُعمل في قلب التوازنات السياسية وإقصاء الخصوم، وتجلّى في سلسلة أحداث ومحطات دامية: السيطرة على الجنوب والبقاع، ما سميّ بحرب الاخوة مع حركة أمل، اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أحداث 7 أيار 2008، غزوة عين الرمانة، اغتيال الناشطين والمعارضين لسياسته والانخراط في نزاعات إقليمية جرّت لبنان إلى الدمار والعزلة.
واليوم، فقد هذا السلاح ذريعة " المقاومة" ومعه أي مبرر شرعي، وأصبح سلطة فوق المؤسسات معزولة عن القرار الوطني الجامع، وعائقًا أمام قيام دولة قادرة وإشكالية تهدد سيادة الدستور اللبناني، ولا سيما مقدمته والفقرة (ي) " لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" ، وبما ان لا شرعية لأي سلطة تضرب الميثاق والسلاح غير الشرعي سلطة استعملها محور الممانعة لخرق الدستور مرات ومرات ومنها المواد 1(السيادة للدولة)، 7(المساواة بين اللبنانيين)، و15(حماية الملكيات الخاصة)، فبات هذا السلاح قانوناً سلطة مارقة خارجة عن القانون، واجبٌ على الدولة ردعها إمّا بالسياسة والإحتواء وإمّا بالقانون والقوة الشرعية.
وحيث ان خطورة السلاح غير الشرعي لا تكمن فقط في قدرته العسكرية، بل في كونه جعل القرار الوطني رهينة قوة لا تخضع للمحاسبة، ومنع الدولة من فرض سيادتها على كامل أراضيها، وأدخل لبنان في صراعات إقليمية تتعارض مع مصالحه الوطنية، ولأن الدفاع عن الوطن لا يكون بوجود دويلة داخل الدولة، بل من خلال حصرية القوة المسلحة بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، وأي خيار آخر يؤسس لمجتمع منقسم الولاءات ومواطنة منقوصة. فإن استعادة شرعية الدولة تبدأ من إنهاء ازدواجية السلطة والسلاح، وما لم يخضع كل سلاح للشرعية، سيبقى لبنان رهينة لمعادلة شاذة: دولة قائمة شكلاً، لكنها مرهونة فعليًا لقوة مسلّحة خارجة عن مؤسساتها. فلا سيادة حقيقية، ولا استقرار سياسي، ولا ثقة شعبية.
لذا، إن إنقاذ لبنان يستوجب قرارًا حاسمًا ينطلق من المسلمات الدستورية " دولة واحدة، جيش واحد، سلطة واحدة" ودون ذلك، سنبقى غارقين الفوضى، ويظلّ الإصلاح والاستقرار مجرد وهم ويصبح لبنان نهدد بوجوده وكيانه ونهائيته.