المحامي محمد آصف ناصر

محنة المواطنة - الفصل الثاني: بين تكفيرين

4 دقائق للقراءة

ذات يوم عاصف في شتاء العام 1983، ولم أكن قد بلغت عامي الثامن، وقفت أدعو الله تحت العواصف في دير راهبات المحبة (العازارية) دار النور في بتوراتيج حيث استضيفت عائلتي ردحًا من الزمن إلى أن استقر بنا الحال في برسا الكورة. كانت لحظات الرعب التي أججها تأخر أهلي جحيمًا ناشئا عن جرائم الحركات التكفيرية بحق العلويين، والخصومة السياسية بين والدي وقوى احتكرت قرار العلويين. كان بيتنا مثله مثل كل البيوت العلوية يعيش بين مطرقة التكفيريين وسندان قوى الأمر الواقع التي فرضت أجندتها على الطائفة.



عندما كبرت فوجئت أن طرفي النزاع في الثمانينات، سواء الحركات التكفيرية أو قوى الأمر الواقع العلوية، حلفاء لإيران، وتمويلهم وتسليحهم إيراني، وأن قوى الأمر الواقع العلوية زجّت في العام 2008 بالعلويين في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، تمامًا كما حصل في العام 1976، حين خاضت هذه القوى مغامرة اضطرت زعيمهم إلى الهرب. يومها تصدت النخب العلوية للمفاوضات مع الحركة الوطنية، وأصدرت بيانا ترفض فيه اختزال العلويين بجهة أو حزب أو حركة. وفي الاجتماع الذي حضره والدي، طلب الشيوعيون من العلويين التهجم على دمشق، فتدخل أمير حركة جند الله آنذاك رشيد ميقاتي ورفض إقحام علويي طرابلس في الصراعات الإقليمية.



لاحقًا، إثر تغير الأحوال، تم الاقتصاص من والدي، وطال الاقتصاص شخصيات علوية عديدة لمجرد أن رأت فيها الزعامة الناشئة آنذاك احتمال عدم الانصياع، فاقتُرِفَت جرائم كثيرة ما زال يتناقلها الهمس في بيوت الطائفة في لبنان.



لم يكن حال النخب العلوية في سوريا أفضل، فاستهدفت كما النخب العلوية في لبنان، وقُتلت قامات كبيرة من أمثال المحامي الدكتور محمد الفاضل، والشيخ العلامة يوسف الصارم، والطبيب الدكتور محمود شحادة والشاعر حسن الخَيِّر، كان القاتل مرة التكفيريين ومرة الشبيحة، والمقتول نفسه النخب العلوية. لم يختلف المشهد بعد سقوط نظام البعث، فدائرة الاستهداف لم تطل الشبيحة الذين انتظموا في صفوف السلطة الجديدة وإنما استهدف القتل أساتذة الجامعات، القضاة، علماء الدين، الأطباء المحامين المهندسين الباحثين، التجار، فقراء الضباط والجنود والمجندين. لم تشمل دائرة "الأحداث الفردية" ولا المجازر ولا جرائم الإبادة الجماعية، شبيحًا واحدًا، فالشبيحة مشمولين برعاية الدولة الجديدة، فمثلا في حدث غريب في بانياس حيث أبيدت أحياء بأكملها، أجريت عملية إنقاذ شبيحٍ وعائلته فيما تُرك شقيقه يواجه مصيره لا لشيء إلا لأنه "آدمي".



يضاف إلى ما سلف التنمر الفكري، فيصعب أن تجد مؤلفًا علويا لا يتصدى لمسألة الدفاع عن الهوية الإسلامية للطائفة بمناضلة لافتراءات تكفيرية لا تؤسس على إثبات وتعتبر أن العلوي لا يستتاب وذبائحه حرام وماله وعرضه حلال. هذا النهج التكفيري ليس بعيدًا عن الحركة التشريعية، ففي العام 1993 استبعدت مسودة اقتراح قانون تنظيم شؤون العلويين خصوصيات هذه الطائفة وأخضعتها لسلطان الحوزات. هذا التعدي لمسته شخصيًا حين أشرفت على انتخابات المجلس الإسلامي العلوي في العام 2023 فتدخل أحد النافذين في حزب الله لفرض أسماء علماء الدين العلويين وليضمن فوز فريقه، ولم يستح من الاحتفال بكسر إرادة النخب العلوية. عبّر هذا النافذ عن نمطية عقائدية ترى في العلوي ضالا، وعن رؤية الإسلام السياسي الذي يتبنى برامج استراتيجية للساحل الشرقي للمتوسط، لا تستقيم مع وجودٍ علويٍ وازن.


في مقابل نظرية الانتماء الديني، التي لا تقبل بالنظم الوضعية، تكون المواطنة المبنية على المصلحة الاجتماعية الجامعة هي الخلاص الوحيد. فالإنسانية ومفاهيمها الفطرية هي المدخل لتأسيس وطن سليم معافى.



أذكر "عمو سمير" الطرابلسي السني الذي بحث في ربيع العام 1983 أربع ساعات عن بيتنا في برسا ليحذر والدي من التوجه إلى العمل لأن "الحواجز الطيارة" تبحث عن العلوي "بالفتيلة والسراج".



ختامًا رغم الاعلام الموارب ومحاولات التسطيح، ارتفعت لافتة على مداخل طرابلس في أيلول 2024 "ادخلوها بسلام آمنين"، في أفضل تجسيد لمفهوم المواطنة وتعبير صريح عن حقيقة مجتمعي ومدينتي طرابلس.