ماريو ملكون

لن ينجو من الموت السريري

4 دقائق للقراءة

عشيّة انقضاء عام على أيلول ٢٠٢٤، وبعد السقوط النهائي لدور حزب الله العسكري كذراع إيران الرئيسية في الصراعات الاقليمية، ها هي سطوته العسكرية وتأثيره الأمني يسقطان معاً في الداخل اللبناني، بالضربة القاضية، وبتردداتها المتتالية. هذه الخلاصة ليست للتسويق السياسي أو الشعبوي، بل تستند على عوامل عدة، تدحض كل الدعاية التي يُصرّ المطبخ الأصفر وحاشيته الاعلامية على ترويجها، غسلاً للعقول ولعباً بالغرائز.


فقد حزب الله بشكل نهائي قدرته في التأثير على السلطات التنفيذية في البلاد، فبعد أن كان صاحب القرار الأول والنهائي في تقرير المصير وتحديد المسار، تراجع إلى الخلف بشكل دراماتيكي، وقد باتت حدود أفعاله تتمحور بين انسحاب إكراهي من جلسات مجلس الوزراء، دون شتّى قدرة على التعطيل أو الفرملة أو التغيير، وبين حركات صبيانية على الدراجات النارية، دون القدرة على خرق حواجز المؤسسة العسكرية في التنقل المفتوح والاستباحة الميدانية.


أتت جلسة ٥ آب صادمة بنتائجها، لتتبعها بعد يومين جلسة تمّ التأكيد خلالها على القرار الحاسم للدولة في استعادة قرارها، دون الركون أمام أيّ تهويل أو ترويع، أكان على شاكلة انسحاب أو استقالة، أو ما بينهما. وبعد شهر من الأخذ والرد، والضغوط الهائلة، جاءت جلسة ٥ أيلول، لتقطع الشك في اليقين، وتُسقط من جديد كل خزعبلات الدعاية الصفراء.


أوّلاً، سقط اقتراح حزب الله وما تبقّى من فريق الممانعة، بتأجيل الجلسة أو تأجيل البت بخطة الجيش اللبناني.


ثانياً، سقط تلويح الثنائي الحزبي الشيعي بالانسحاب والاستقالة من الحكومة، حيث أكمل المجلس المنعقد جلسته وكأنّ ما من انسحاب حصل.


ثالثاً، سقطت دعاية الميثاقية التي واظبت الممانعة على ترويجها منذ ٥ آب، أي على مدى شهر، حيث جدّد مجلس الوزراء شرعية اكتمال عقده بحضور الأكثرية، وبتّ مقرراته للمرة الثالثة بميثاقية كاملة، وكان من اللافت أنّ ترحيب الممانعة بترحيب الحكومة بخطة الجيش، أنستهم "أكذوبة الميثاقية".


رابعاً، سقطت محاولات "الثنائي" في ثني قائد الجيش العماد رودولف هيكل من ربط خطته السرية بمهلة تنفيذية، حيث أكد رئيس الحكومة أنّ ما سُرّب صحيح عن أنّ مهلة المرحلة الأولى ينتهي تنفيذها مع نهاية شهر تشرين الثاني، وهي تنقسم إلى جزئين، الأول انهاء أي وجود مسلّح بالعتيد والعتاد من منطقة جنوب الليطاني، والثاني احتواء أي ظهور مسلّح على كامل الأراضي اللبنانية، ما يعني عدم شرعية أيّ تحرّك عسكري أو أمني لحزب الله في أي بقعة لبنانية.


خامساً، سقطت "بروباغندا" حزب الله التي تقول أنّ التسويف سيكون سيد الموقف بعد تقديم الجيش لخطته من جهة، وأنّ ما تمّ أخذ القرار به ليس سوى شراءً للوقت من قبل السلطة أمام الاملاءات الأميركية، وأنّ موقف الجيش هو عدم الدخول في هذا المسار، فقد طلبت الحكومة من قيادة المؤسسة العسكرية رفع تقرير شهري عن مسار التنفيذ ما يؤكّد جدية السلطة التنفيذية في ترجمة ما أقرّته.


سادساً، سقط معجم حزب الله الذي لطالما اعتمده لتحوير كل مفردات ونصوص الدستور اللبناني والقرارات المحلية والدولية، وآخرها التفسير الاعتباطي لكلمة "الترحيب" بخطة الجيش، وقد أكّد كلّ من رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي بأنّ "الترحيب" هو التعامل الايجابي والموافقة على الخطة المذكورة.


سابعاً، سقطت شمّاعة حزب الله المتجددة، المتمثّلة بالاستراتيجية الدفاعية وطاولة الحوار، حيث أعلن الرئيس سلام حرفياً بأنّ "ما من شيء اسمه استراتيجية دفاعية، بل استراتيجية أمن وطني وهي عند الحكومة، ولا يأخذني أحد إلى حوارات وغيرها".


سلاح حزب الله وكل سلاح غير شرعي، انتهت فعاليته ودوره وتأثيره وحركته وقيمته بشكل تام ونهائي، فما عاد يُشكّل توازناً مع اسرائيل، ولم يعد قادراً على تحقيق قوّة الردع وفق التجربة، ولم يعد يملك القدرة على لعب دور حماية الجنوب أو القرى الحدودية ولا حتى تحرير الجليل ولا فلسطين وقد "رحّبت" قيادات حزب الله باتفاق وقف اطلاق النار الذي أنهى الوجود المسلّح في جنوب النهر، كما لم يعد يملك هذا السلاح أي فعالية في التأثير على أي مسؤول بالدولة اللبنانية، سوى مَن يرفض قيام الدولة الفعلية، ولا القدرة على الاستخدام في الداخل ولا طبعًا في تبديل موازين القوى السياسية الداخلية، وقد انتقل كثر من حلفاء السلاح أمس إلى تلبّس دور المتنطّحين اليوم في انتقاده.


نعم، قد تكون بعض الخطوات نحو حصر السلاح بيد الدولة، بطيئة أو شكلية في بعض الأماكن أو غير حاسمة ربما، ولكن حتماً هي حقيقية في أكثرية الأماكن، وفي جوهر الملف، وستتدحرج كرتها تباعاً، لأنّ لا عودة إلى الوراء، والسلاح غير الشرعي في موت سريري لن ينفعه لا انعاشاً مركّباً ولا تسويقاً كاذباً، ولم يتبقَّ سوى خطوات تنفيذية في نزع الانعاش الاصطناعي عنه، رحمةً ببيئته.