د. بولا أبي حنا

" من أين لك هذا؟" ثورة الضمائر

4 دقائق للقراءة


 في نيبال، خرج جيل جديد إلى الشوارع رافضًا الفساد واللاعدالة، مطاردًا الوزراء في الساحات، وهادرًا بشعارٍ واحد: لا أحد فوق القانون. مشهد وزير المالية بيسنو باوديل وهو يُضرب ويُطرد من أمام الجماهير لم يكن حادثة فردية، بل كان بمثابة إعلان صريح أن الشعوب عندما تفقد الثقة بمؤسساتها، تتحول المحاسبة من قاعات المحاكم إلى غضب الشوارع. "هذه ثورة، حان دورنا الآن"، هكذا قال شباب كاتماندو، ملخصين جوهر الإشكالية: إمّا دولة تحاسب نفسها، أو شعب يقتلعها من جذورها. لبنان يعيش الإشكالية نفسها بوجه آخر. اليوم، ورد خبر وضع ٢٢ قاضياً وعائلاتهم تحت المجهر بطلب من النيابة العامة التمييزية، للتحقق من ممتلكاتهم بعد ورود شكاوى عن تلقي رشاوى وهدايا. التفتيش القضائي يبدو عازماً على تطهير الجسم القضائي، في خطوة تعيد إلى الأذهان الشعار القديم الذي لطالما رفعه المصلحون: "من أين لك هذا؟" السؤال المباشر يضع أي مسؤول أمام امتحان الشفافية، ويحوّل الملكية العامة والخاصة إلى مرآة للعدالة. القضية ليست تقنية فحسب، بل وجودية: كيف يُحاسب القاضي قبل أن يُحاسب الوزير؟ هل المؤسسات اللبنانية قادرة على تنظيف نفسها من الداخل، أم سنبقى أسرى التسويات والمحاصصات؟ تجربة فؤاد شهاب تُعيد التذكير بأن الدولة تُبنى فقط على مؤسسات قوية لا على أشخاص نافذين، وأن التغيير الحقيقي يتطلب إرادة جماعية وإصلاحات جذرية؛ فالقضاء يجب أن يكون الحَكَم، لا اللاعب، لضمان عدالة فعالة ومستقلة.



في هذا السياق، يمكن أن تلعب التكنولوجيا دورًا مهمًا في تعزيز الإصلاح. إدخال أنظمة ستارلينك لتوفير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في جميع أنحاء لبنان لا يعزز التواصل فحسب، بل يفتح أيضًا المجال للرقابة الشعبية والمجتمعية على القرارات الحكومية والقضائية، ويساهم في نشر المعلومات بسرعة وشفافية، مما يدعم مساءلة المسؤولين ويجعل من الصعب التغطية على أي تجاوزات أو فساد.


 التوصيات العملية واضحة: يجب أن يكون هناك استقلال كامل للقضاء ماليًا وإداريًا، مما يمنع تدخل السياسيين في تشكيلاته وتأديبه، بالإضافة إلى توفير حماية فعالة للقضاة الذين يواجهون ضغوطًا، كما هو الحال في ملفات انفجار مرفأ بيروت. يجب أن يشارك المجتمع المدني والإعلام في الرقابة، مدعومين بتقنيات حديثة مثل ستارلينك، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسات وليس كصفقات طائفية أو شخصية. يجب غرس ثقافة وطنية تُقدس المصلحة العامة وتضع الشفافية والمساءلة في قلب الحياة السياسية والقضائية.


الفساد ليس مجرد أرقام أو ممتلكات أو قوانين، بل يحمل في طياته عبئًا إنسانيًا كبيرًا. إنه يقتل الثقة بين المواطن والدولة، ويزرع شعورًا بالخيانة والإحباط، خاصةً لدى الشباب الذين يشعرون أن جهودهم ومواهبهم لا تجد مكانًا في دولة تسيطر عليها المحسوبيات والمصالح الشخصية. في لبنان ونيبال، يتضح أن أزمة الثقة ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي أزمة أخلاقية: إذا لم يشعر الناس أن العدالة تحميهم، فإن أي إصلاح قانوني أو قضائي سيبقى مجرد واجهة فارغة. هنا يأتي دور الدولة والمجتمع المدني معًا في إعادة بناء الروح الأخلاقية للمؤسسات، بحيث تصبح المساءلة جزءًا من الثقافة العامة، وليس مجرد إجراء شكلي.


 كما قال أحد رجال القانون اللبنانيين: "إذا لم تُطهر المحاكم نفسها من الداخل، فلن تنفع أي إصلاحات من الخارج". في النهاية، سواء في نيبال أو لبنان، القضية ليست مجرد قوانين، بل تتعلق بالإرادة السياسية والأخلاقية: أن تكون الدولة قادرة على مساءلة الجميع بلا استثناء، وإلا ستبقى الفوضى، وستتزعزع ثقة الشعب في كل مؤسسة، وهي الحكم النهائي.


أستاذة جامعية