حين تتحرّك يداها معًا في آنٍ واحد على لوحات وأسطح مختلفة، تنبثق من بينها أعمال فنّية تنبض بالحياة والدقة بتناغم مذهل. الفنانة التشكيلية والرسّامة جاكي فلفلي الخوري ليست مجرّد موهبة عادية، بل ظاهرة فريدة تتفاعل مع أدواتها بطريقة مزدوجة، تستخدم يدَيها الاثنتَين في الكتابة والرسم لتبتكر لغة تجمع بين الخيال والتقنية، وحوارًا دائمًا بين اليدَين والألوان. ومن خلال هذه المهارة الفطرية، بنت هوية فنيّة متكاملة تتخطى الحدود التقليدية وتُقدّم للمشاهد نافذة إلى عالم من الإبداع المزدوج والتوازن الداخلي.
كانت جاكي لا تزال طفلة عندما لاحظت اختلافها عن الآخرين في الكتابة: "في المدرسة كنت أكتب بيدي اليسرى على الدفتر، وعندما أقف أمام اللوح كنت أكتب باليد اليمنى من دون تفكير. اعتبرتُ حينها أن هذا الأمر طبيعي". مع مرور الوقت، تحوّلت تجربتها اليومية مع اليدَين مصدرًا للفضول والاستكشاف: "أحسست بشيء غريب في داخلي، فجرّبت الكتابة باليمنى واليسرى، ولاحظتُ أن لا تعب ولا فرق، إذ بتّ أتقن التحكمّ بيديّ كلتيهما بسلاسة فائقة".
خلال سنوات دراستها اللاحقة، كانت هذه المهارة تتيح لجاكي فلفلي الخوري استكمال كتابة الملاحظات على دفترها من دون توقّف، فما إن تشعر بالتعب في يدٍ حتى تنتقل للكتابة بيدها الأخرى، الأمر الذي منحها سرعة وإتقانًا نادرَين.
مهارة تتمدّد
مهارتها الفريدة امتدّت إلى الرسم، لتصبح الفنانة قادرة على العمل بيدَيها الإثنتين في الوقت نفسه، فتنتج لوحات مزدوجة بسرعة ودقة مذهلة، حيث تمتلك قدرة نادرة على الكتابة وأيضًا الرسم بطريقة معكوسة "Mirror Drawing". تقول: "حين أرسم بيديّ الإثنتَين، تركّز عيناي على إحدى اليدَين وأشعر بقوّة في دماغي تجعلني أركّز على اليد الأخرى ما يساعدني على التحكّم باللوحة. كأن لدي تركيزًا مزدوجًا على كلتَي اليدَين".
في أعمالها الأخرى، تختار جاكي فلفلي الخوري اليد المناسبة لضمان أفضل نتيجة في الرسم، وتكشف: "إذا كانت ضربة الفرشاة أجمل باليمنى أستخدمها، وإذا كانت أفضل باليسرى أستعمل اليد الأخرى. بهذه الطريقة، تكون اللوحة متقنة أكثر".
نقطة التحوّل
رغم موهبتها الفطريّة، بدأت الخوري حياتها المهنيّة أولًا في مجال التصميم الرقمي، حيث تعلّمت التكوين، اختيار الألوان، تقنيات الرسم الرقمي، وفن الـ "Layout"، لكنها سرعان ما شعرت أنّ التصميم وحده لا يمنحها الحرّية الكاملة للتعبير عن أفكارها الخاصة، فاختارت الانخراط في نقلة نوعية إلى عالم الرسم التقليدي اليدوي، مطلقة العنان لقدراتها الطبيعية واستكشاف مهارتها النادرة، لتخلق هوية فنية متفردة تجمع بين الحسّ الجمالي والتقنية العالية.
موهبتها الفريدة لا تقف عند حدود رسم اللوحات التقليدية، بل تمتدّ لتطول تفاصيل الحياة اليومية عبر الرسم على أغراض يستخدمها الإنسان باستمرار ويحملها معه أينما ذهب، مثل القبعات والحقائب والمقالم وسواها، لتتحوّل إلى جسر يربط صاحبه بذكرياته وبلده، حتى في الغربة والسفر. وكما تقول الخوري: "على سبيل المثال، أي طالب لبناني يدرس في الخارج إذا استخدم غرضًا رسمتُ عليه أمورًا عن لبنان، يشعر وكأنه ما زال قريبًا من وطنه".
إبداعاتها لا تقف عند حدود الأغراض اليومية، بل تمتد لتواكب إيقاع الحياة وتغيّر فصولها، فتختار لكلّ موسم بصمة خاصة، ولكلّ مناسبة أفكارًا تنسجم مع روحها، لتمنح أعمالها بعدًا متجدّدًا يعكس حيوية الزمن وفرادته، تاركةً للجمهور متعة مشاهدة إبداعاتها الفنّية التي تعرضها عبر حساب Jackyzart@ على مواقع التواصل.
لكلّ لون معنى
من جهة أخرى، تحوّلت الألوان في أعمال الرسامة والفنانة التشكيلية جاكي فلفلي الخوري إلى أداة لإيصال الإحساس والمزاج وإضفاء الحياة على كل قطعة فنية. لكل لون معنى محدّد: البرتقالي يرمز للحيوية، الأحمر يعكس الحب أو الغضب والخطر، الأصفر يتأرجح بين الأمل واليأس، الأزرق والأخضر يمنحان الراحة والحياة، بينما الأسود والأبيض يضبطان التوازن ويكملان الفكرة الأساسية.
إشارةً إلى أنّ القدرة على استخدام كلتَيْ اليدَين بمهارة متساوية، والمعروفة باسم "ambidexterity"، تُعدّ من الظواهر النادرة جدًا، إذ يُقدّر أنّ نحو 1 % فقط من البشر يمتلكونها. ومن الناحية العصبية، يتميّز دماغ هؤلاء بتوازن أكبر بين نصفَيه، على عكس معظم الأشخاص الذين يميلون إلى سيطرة واضحة لنصف واحد.





