بالمطلق، ليس العنف السياسي غريبًا على الولايات المتّحدة التي تعرّض أربعة من رؤسائها للاغتيال، كان جون كينيدي آخرهم. ولا الأزمات المجتمعيّة العميقة غريبة عنها، وهي التي غرقت مدنها الكبرى بمواجهات عرقيّة في عقد الستّينات الذي شهد اغتيال مارتين لوثر كينغ، ومالكولم أكس. ومن المعلوم أنّ الشقاق الأميركي ازداد لاحقًا مع وصول ريتشارد نيكسون إلى الحكم تحت شعار "القانون والنظام" الذي استطبن التهديد باستعمال العنف ضدّ المتظاهرين السود، وتحوّل ولايات الجنوب من ولائها التقليدي الديمقراطي إلى حضن الجمهوريّين، ثمّ انفجار فضيحة واترغيت، والكساد الاقتصادي الذي رافق عقد السبعينات. لوهلة، بدا الصدع الأميركي آنذاك عصيًّا على الرأب، قبل أن يطلق رونالد ريغان شعاره الشهير "الصباح في أميركا" ويحصد تصويت 49 ولاية أميركية من أصل 50 في انتخابات العام 1984 الرئاسيّة. بلغ الشقاق الأميركي ذروته بسرعة في الستّينات والسبعينات، ثمّ استكان لعقود، وبسرعة أيضًا، اعتبارًا من الثمانينات على خلفيّة تلاقي النخب الحاكمة بجناحيها الجمهوري والديمقراطي على النيوليبراليّة في الداخل، وتشجيع التحوّل الديمقراطي في الخارج. وبواحد من كتبه غير المعروفة على نطاق واسع خارج أميركا (وعد السياسة الأميركيّة)، رأى المفكّر السياسي الأميركي الألمعي صامويل هانتغتون أنّ أميركا محكومة بقاعدتين: أن تمرّ بأزمات دوريّة كلّ عقدين أو ثلاثة من الزمن؛ ثمّ أن تتبدّد الأزمات لاحقًا بسبب التلاقي الأيديولوجي العميق في الولايات المتّحدة على المبادئ الأساسيّة الناظمة للسياسة فيها.
أن يفكّر واحدنا بكلّ ما سبق يعطيه جرعة اطمئنان وسط المشهد الأميركي الحالي القاتم. تصاعد التوتّر الداخلي وصولًا إلى حرب أهليّة أميركيّة جديدة ليس حتميًّا. ولكن ينبغي الإقرار، في المقابل، أنّ التهدئة الداخليّة في أميركا ليست حتميّة بدورها، وأنّ المستقبل الغامض للولايات المتّحدة ربّما يكذّب التفاؤل العميق الذي حرّك صامويل هانتغتون تجاه بلاده. ليست المسألة وحسب أنّ أرقام حوادث الاغتيالات، أو محاولات الاغتيال، في السنوات الأخيرة صادمة (تعرّض مسؤولون أميركيّون لـ21 اغتيالا، أو محاولة اغتيال، منذ العام 2016، مقابل محاولتين فقط في السنوات العشرين التي سبقت ذلك). في حزيران 2025، على سبيل المثال لا الحصر، اغتيلت النائبة الديمقراطيّة في ميناسوتا، ميليسا هورتمان، وزوجها. وكان الزوج الثمانيني لنانسي بيلوسي، الرئيسة الديمقراطيّة السابقة لمجلس النوّاب الأميركي، تعرّض لضرب مبرح كاد أن يقضي عليه خلال هجوم على منزله في سان فرانسيسكو عام 2022 كان بالأصل موجّهًا ضدّ بيلوسي نفسها. كما أحبطت السطات عام 2020 مؤامرة لاختطاف حاكمة ميشيغان الديمقراطيّة غراتشين وايتمر، من قبل جماعة شبه عسكريّة يمينيّة، وتعرّض القاضي المحافظ بريت كافانو لمحاولة اغتيال عام 2022، فضلًا طبعًا عن نجاة دونالد ترامب نفسه من محاولة اغتيال أصابته بجرح طفيف عام 2024، وأردت أحد أنصاره. هذه مجرّد أمثلة من لائحة تطول. فاذا ما أضفنا إليها الهجوم الشهير على مبنى الكابيتول في واشنطن في كانون الثاني من العام 2021، بعد أن رفض دونالد ترامب الإقرار بخسارته الانتخابات الرئاسيّة آنذاك، يصبح من الجائز التساؤل ما إذا كان المشهد الحالي في أميركا أزمة من أزمات هانتغتون الدوريّة التي سرعان ما ستجد طريقها للحلّ، أم مشهدًا جديدًا كليًّا يهدّد بما لا تحمد عقباه بمجتمع مستقطب بشكل غير مسبوق.
يفاقم القلق ما يلي: يوم غرقت أميركا بأزماتها في الستّينات والسبعينات، كانت دول أوروبيّة كبريطانيا، أو ألمانيا الغربيّة، أو إيطاليا، هادئة نسبيّا. بالمقابل، الأزمة اليوم عامّة بمجمل الديمقراطيّات الليبراليّة الغربيّة، ولعلّ هذا العقد لن ينطوي قبل أن تسقط الدول الأوروبيّة الغربيّة الأربع الكبرى (عنيت فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا) بقبضة اليمين الشعبوي. استطرادًا: قيّض لأميركا، بعقد الستّينات، نخب حاكمة عملت على التهدئة ما أمكن بعزّ الأزمات. يمكن هنا التفكير بكلمات السيناتور روبرت كينيدي الحكيمة الموجّهة إلى الأفريقيّين - الأميركيّين، بعد مقتل مارتين لوثر كينغ، علمًا أنّ كينيدي نفسه، كجون كينيدي أخيه، سقط باغتيال لاحق. بالمقابل، سينتظر طويلًا من ينتظر أن تتصرّف النخب الحاكمة الحاليّة بطريقة مسؤولة. وليس بدون معنى، بعد مقتل تشارلي كيرك، أن يعجز أعضاء الكونغرس عن الصلاة لروحه لدقيقة، حيث انتهت المحاولة قبل يومين بحفلة صراخ متبادل اتّهم فيه الجمهوريّون زملاءهم الديمقراطيّين بالتسبب بمقتل كيرك لتحريضهم ضدّه، فيما ذكّر الديمقراطيّون الجمهوريّين بأنّ الحزب الديمقراطي يحاول منذ عقود تغيير القوانين التي تسهّل الحصول على أسلحة فرديّة لمن يرغب في الولايات المتّحدة – وتاليًا تضع هذه الأسلحة بيد متطرّفين أو مختلّين عقليًّا – بينما يعارض الجمهوريّون ذلك. حصل كلّ ذلك بينما غرقت مواقع التواصل الاجتماعي لأنصار الطرفين بحرب كلاميّة حقيقيّة، ألمح فيها ديمقراطيّون أنّ كيرك حصل على ما يستحقّه، بينما ردّ جمهوريّون بالتهديد العلني بالعنف المضادّ.
كلّ ما سبق مقلق جدّا لأميركا. ولكنّه ينبغي أن يكون مقلقًا للعالم أيضا. ومن النظامين الفاشيين بإيطاليا وألمانيا، إلى العسكريتاريا اليابانيّة، إلى الاتّحاد السوفياتي وحلفائه بدول العالم الثالث، وصولًا طبعًا إلى المتطرّفين الإسلاميّين كأسامة بن لادن وقاسم سليماني، خلّصت الولايات المتّحدة العالم في القرن الماضي من عتاة أعداء الليبراليّة. أن تغرق أميركا بالمزيد من الأزمات المجتمعيّة يعني بالضرورة أن تنسحب من الخارج إلى الداخل. الفراغ الناجم عن ذلك، لو حصل، مفيد لقوى كالحزب الشيوعي الصيني، أو فلاديمير بوتين، أو ملالي طهران. حمى اللّه العالم من هكذا احتمال.