جوني داغر

بشير... سابق عصره

3 دقائق للقراءة

من سمات الكتابة في المواضيع التي تم بحثها من ذي قبل هي السهولة والصعوبة في آنٍ معًا.

السهولة لأّن الموضوع قد أُشبع بحثًا و تشريحًا ومن السهل الوصول إلى مراجع ومعلومات في ما يختصّ به.

أمّا الصعوبة فتكمن بمحاولة إضافة جديد على ما سبق وقيل، فبعد كل ما كُتب ووثّق عن بشير : أيّ شئ يزاد بعد؟

ربّما بعد الأفكار والانطباعات الشخصية.



1- بشير: صديق كلّ الأجيال

من الوارد أن تطبع شخصية جيلًا معينًا مثل الزعيم المصري جمال عبد الناصر الذي طبع جيلًا عربيًّا بأكمله، لكن تأثيره تقلّص حتى الاضمحلال في الأجيال التي تلت.

لكن الآمر النادر الحصول، هو أن تطبع شخصية سياسية أجيال متلاحقة منذ خمسين عامًا متتالية، فلبشير مكانة في ضمير ووعي الكهل كما الشاب كما الطفل.

لا يمّلون من الحديث والسؤال عنه، وهو لا يمّل عن إجابتهم بواسطة خطبه التي باتت في صلب تراثنا الوطني.

وهنا يجدر القول إن تأثير بشير تخطّى المسيحيين حتى طال في الآونة الأخيرة شرائح كبيرة من المسلمين والدروز. وأبعد من ذاك، أصبح بشير رمزًا لقوى اليمين في العالم ورفض الأمر الواقع.



2- بشير: الصديق الشخصي

يمّر المرء بعوائق يومية، وفي بلدٍ في مثل لبنان ليست الإصابة بالإحباط بالأمر النادر الحصول.

لكّل منّا شعائره الخاصة في إعادة استنهاض قواه والمحاولة مجددًّا بعد السقوط، فبعض هذه الشعائر شخصي وبعضها ديني أو بدني أو فنّي، لكن لا شكّ أن لبشير حظوة في ترميم عافيتنا النفسية: فمع كل تنهيدة منه، وكل ابتسامة وكل انفعال نتذكّر من نحن، ولماذا وجدنا، وعمق قضيتنا وأن الإحباط هزيمة والفشل جزء من مشروع النجاح.

فكأّن بشير أبدع في فنّ القيادة والتأثير قبل بزوغ شمس هذه المدرسة في العالم وتصدرّها العنوان الدراسية.



3- بشير: رجل المستقبل

من أبرز صفاة القائد هي ارتقاب حصول مشكلة والدفع نحو تفاديها.

تتباهى الدول الكبرى اليوم مثل المملكة العربية السعودية بوضع سياسات للسنوات القادمة على سبيل المثال، سياستها بتنويع الاقتصاد لبناء مرحلة ازدهار ما بعد النفط.

قبل ذلك بخمسين عامًا، اختار بشير أن يبني دولة للعام 2000.

أيقن أن المشاكل ستتشعّب، ولن تتقلّص وأن الحاجة ستزيد ولن تتضآل، فواجب مواكبتها قبل حصولها.

كأنّه كان يعلم مسار التاريخ فاستشرف المستقبل وأخطار الداخل والخارج الحائمة في الأفق.


4 - بشير الإداري

في بلادنا، ينظر إلى السياسية كعمل ارتجالي في قراراتها ومواقفها.

فهم بشير اللعبة مبكّرًا، وأدرك أهميّة بناء جسم فيه مطبخ للخطاب وبنية للقرار ومنظومة استشارية كاملة قوامها كبار أدمغة القوم من أمثال الفيلسوف شارل مالك، فكأنّه تبنّى نظرة أفلطون للحاكم الفيلسوف الذي يبني حكمه على أعمدة الأفكار القاطبة والمسيّرة نحو الأمام.


5 - بشير: السياسية الخارجية

تجرّأ قبل أن يجرؤ الكلّ، فهم التوازنات الإقليمية والدولية، فهم أطماع الدول بعمق، تصرّف بنديّة لكن بواقعية.

الخمسون سنة الماضية، والسنوات الخمس الأخيرة أعطت لبشير حقّه، ليس كونه زعيم ذات اختيارات صحيحة فحسب.

بل كونه سبق عصره، ولو قدّر له أن يحكم لكان بشير مؤسس لبنان الحديث ولكان لبنان قد سبق عصره منذ زمن.