في 9 سبتمبر، شهدت قطر محاولة اغتيال استهدفت قادة حركة حماس، في خرق سافر للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خلال مفاوضات كانت قطر تستضيفها لوقف إطلاق النار. هذا الاعتداء لم يكن مجرد حادث، بل اغتيال لدولة الوساطة والحوار والمفاوضات التي لطالما لعبت دورًا محوريًا على الساحة الدولية. كما شدد الرئيس اللبناني في كلمته خلال القمة العربية الإسلامية في الدوحة، فإن الصورة بعد عدوان الدوحة باتت واضحة، وأن الكلام عن الاستنكار وحده لم يعد كافيًا، خصوصًا مع اقتراب الاجتماع المرتقب للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ودور فرنسا والسعودية المتوقع في صياغة موقف دولي فعال.
تاريخ جامعة الدول العربية، منذ تأسيسها عام 1945 بمشاركة سبع دول، مليء بالوعود الكبرى حول التضامن العربي وحماية السيادة الوطنية، لكنها غالبًا اكتفت بالخطابات والبيانات الاستنكارية عند كل أزمة: العدوان الثلاثي 1956، حرب 1967، الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، غزو العراق للكويت 1990، والحروب المستمرة على غزة وسوريا واليمن. كل خرق للسيادة العربية كان بمثابة اختبار صارخ لجدوى هذه المؤسسة، التي تحولت في كثير من الأحيان إلى منبر للخطابة بدل أن تكون درعًا للأمن العربي. وقد قيل فيها أنه "لو كان للجامعة العربية إيجابية واحدة ما تركها الغرب إلى اليوم وربما ما تركوها تنشأ أصلاً. مؤسف جدًا أنها نقمة بدل أن تكون نعمة." وقيل أيضاً: "أن المؤسسة التي لا تعمل على تحقيق أهدافها ومبرر وجودها يجب إغلاقها؛ فماذا لو كان هذا يتعلق بجامعة الدول العربية؟!
في هذا الواقع، يبرز دور مجلس الأمن القومي العربي كأداة حقيقية يمكن أن تحول التضامن العربي إلى قوة ملموسة. يجب أن يشمل دوره الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية كأساس لحل الدولتين، ووقف أي دعم دولي يمكن أن يُستخدم ضد الشعب الفلسطيني، وتفعيل آليات التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول العربية لمواجهة أي تهديد فوري. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجلس والجامعة العربية ممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي على المعتدين عبر الأمم المتحدة والمحكمة الدولية، والعمل بالتنسيق مع الدول الصديقة التي تمتلك القدرة على التأثير.
السؤال الجوهري يظل: هل تريد حكومة إسرائيل فعلاً سلامًا دائمًا في منطقتنا، أم أن كل اتفاقات السلام والمعاهدات السابقة ما هي إلا أوراق توضع جانبًا عند كل فرصة لتوسيع النفوذ والسيطرة؟ وما هو موقف الدول العربية التي وقعت السلام او هي في إطار التوقيع؟ الحقيقة المرة أن التطور التكنولوجي الإسرائيلي جعلها قادرة على تنفيذ عمليات معقدة في أي مكان بالعالم بسرعة فائقة ودون رقيب، بينما الدول العربية لا تستطيع مجابهتها بمثل هذه الوسائل، مما يجعل التحالفات الدولية والاستعانة بالدول الصديقة ضرورة استراتيجية.
ما يجب أن يحصل اليوم ليس مجرد الشعارات والبيانات المكررة، بل خطوات عملية لحماية الحقوق الفلسطينية، ووقف الحرب والإبادة والتهجير، وتوحيد الموقف العربي والإسلامي على مستوى الجامعة والقمة والمجلس، لتحويل الخطابات إلى أفعال ملموسة وحماية فعّالة للأمن القومي العربي. كما قال الرئيس اللبناني جوزاف عون: "...الصورة بعد عدوان الدوحة باتت واضحةً جليّة وأنّ التحدّي المطلوب ردّاً عليها يجب أن يكون بالوضوح نفسه...."
الدرس الذي يجب استخلاصه من كل هذه الأحداث هو أن التضامن العربي الحقيقي لا يُقاس بالخطابات، بل بالقدرة على اتخاذ القرارات، تفعيل المعاهدات، وحماية الحقوق على الأرض. الجامعة العربية ومجلس الأمن القومي أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحولان إلى أدوات حماية فعلية، أو يظلان مجرد أسماء تتداول في البيانات والقمم، بينما شعوبنا تعاني، وحيث تصبح الكلمات مجرد مرايا تعكس عجزنا التاريخي عن الدفاع عن السيادة وحقوق الشعوب العربية.
أستاذة جامعية