بشارة جرجس

صلاةٌ على حائط المبكى وقمة الدوحة العربية الإسلامية

13 دقيقة للقراءة

وقف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وإلى جانبه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمام الحائط الحجري وراء ظلال الكاميرات، واضعاً روبيو على رأسه قلنسوةً صغيرة وراح يتمتم صلاةً، قبل أن يطوي ورقة كتب عليها أمنيته ويدسّها بين شقوق حائط المبكى. التفت نتنياهو نحو الصحفيين قائلاً بصوتٍ يملؤه الاعتزاز: "هذا التحالف لم يكن يوماً أقوى مما هو الآن، فهو متين وصلب كأحجار حائط المبكى التي لمسناها للتو". كانت جملة تحمل في طيّاتها ثقل الرمزية؛ فعلاقة واشنطن وتل أبيب تُشبَّه بجدار لم تهزه قرونٌ من الزلازل. وعلى مقربة، ابتسم روبيو ابتسامة مقتضبة دون أن ينطق بكلمة، تاركاً للصمت أن يروي قصة التحالف التي تنطق بها أحجار أورشليم. وفي تلك اللحظة، تردّد في المكان صدى ترنيم المزامير العبرية، فيما تخيّل البعض أن صدى تكبيرات بعيدة ينطلق من رحاب المسجد الأقصى على الجانب الآخر من المدينة.



لم يكن ذلك المشهد بروتوكولياً صرفاً؛ نتنياهو اصطحب روبيو إلى هذا الموقع المقدس كمن يؤدّي طقساً سياسياً ممهوراً بالدين والتاريخ. بين شقوق الحجارة وضوء الشموع، تجلّت رسالة غير منطوقة: أميركا وإسرائيل في خندق واحد، يجمعهما إيمان مشترك بقضية مصيرية. وكأن نتنياهو يُعلن بيقين نبيٍّ، ردّد للصحفيين: "تحت قيادة الرئيس ترامب والوزير روبيو، لم يكن تحالفنا أقوى مما هو اليوم". هذا المشهد ذكّر البعض بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس دونالد ترامب عام 2017 إلى هذا الحائط، حين وقف واضعاً يده على الحجر دامعاً في مشهدٍ بقي رمزاً لدعم واشنطن الأبدي للدولة العبرية. واليوم يتكرّر المشهد مع وزير الخارجية في إدارة ترامب: ماركو روبيو، الذي جاء يجدّد العهد في المعبد القديم.



قبل أن يغادر المسؤولان الموقع تحت حراسة مشددة، صافح نتنياهو روبيو أمام عدسات الصحافة، وهُمِس في الأجواء وعد حاسم: الحرب على غزة ستتواصل حتى النهاية. وفي عيني روبيو ظهر بريق حذر؛ فالرجل يحمل في جعبته رسالة من سيد البيت الأبيض. لقد جاء إلى إسرائيل وفي ذهنه التحذير الذي أطلقه ترامب قبل يوم واحد فقط: على إسرائيل أن تكون "حذرة جداً" في اندفاعها، وألا تنسى أن “قطر حليف للولايات المتحدة”. كانت تلك إشارة إلى الضربة الإسرائيلية المباغتة في قلب الدوحة، التي كانت تهدف لاغتيال قياديي حركة حماس.



الدوحة: مجلس الغضب والوحدة

بعد أقل من 24 ساعة على مشهد القدس، كانت الأنظار تتجه شرقاً نحو الدوحة. في قاعة فخمة بفندق شيراتون على ساحل الخليج، اجتمع ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية والإسلامية تحت أضواء الثريات، في قمة طارئة بدت أشبه بمجلس حرب تاريخي. ارتسمت الجدية على وجه الأمير تميم الشاب وهو يستحضر غضب شعبه وذهول العالم مما جرى قبل أيام قليلة. بصوت متهدج بالغضب، قال الأمير: "تعرضت عاصمة بلادي لعدوان غادر استهدف منزلاً يقطنه أهالي قادة حماس ووفدهم المفاوض… لقد صُدم مواطنونا وصُعق العالم أجمع من هذه العملية الإرهابية الجبانة". ترددت كلماته في أرجاء القاعة فيما كان الحضور يرمقون وجهه بتأييد. ومضى الشيخ تميم متعهداً: "نحن عازمون على فعل كل ما يلزم لصون سيادتنا ومواجهة العدوان الإسرائيلي".



تحت تلك القبة التي ضمّت ممثلين لأكثر من 53 دولة عربية وإسلامية، من بينهم السعودية وإيران، توحّدت الأصوات على إدانة ما وصفوه بـ"العدوان الإسرائيلي الغادر" على أرض قطر. حتى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي ترتبط بلاده بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ عام 1979، وجد نفسه يستخدم لهجة حازمة غير معهودة، محذّراً أن أفعال إسرائيل الأخيرة "تضع العقبات أمام أي فرص لسلام جديد، بل وتُجهِض ما هو قائم منه". وجلست وفود الإمارات والبحرين والمغرب، دول وقّعت اتفاقات إبراهام للتطبيع مع إسرائيل قبل سنوات، تستمع وتوافق مرغمة على بيانٍ يحمّل حليفتها الجديدة المسؤولية عن زعزعة استقرار المنطقة. لقد نص البيان الختامي للقمة على إدانة الهجوم الإسرائيلي واعتباره "عدواناً صارخاً على دولة عربية إسلامية ذات سيادة" وعلى التضامن التام مع قطر في أي خطوات تتخذها للدفاع عن نفسها. وبلغ الأمر حد دعوة القادة “جميع الدول” إلى مراجعة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل. كانت تلك لهجة تحدٍّ جماعي نادرة لم يشهدها العرب منذ زمن، بدت كأنها تحاول رسم خط أحمر جديد في الرمال المتحركة للشرق الأوسط.



رغم وحدة الموقف في العلن، كان راصدو المشهد يلتقطون همسات خلف الكواليس تعكس تباينات في نبرة الغضب. بعض الزعماء، وخاصة من وقعوا اتفاقات سلام مع إسرائيل، أرادوا موقفاً محسوباً لا يقطع شعرة التواصل مع واشنطن. فظهرت آثار ذلك في الصياغة النهائية؛ إذ اختفت منها عبارات حادة كانت واردة في مسودة أولية حذّرت من أن "الاعتداء الإسرائيلي وأي أفعال عدائية أخرى تهدد التعايش وجهود التطبيع في المنطقة". غير أن دول مجلس التعاون الخليجي أصدرت بياناً منفصلاً شديد اللهجة، اعتبر أن "مواصلة إسرائيل لهذه السياسات العدوانية يقوّض مستقبل التفاهمات والاتفاقيات القائمة معها". كانت تلك إشارة لا تخطئها العين إلى اتفاقات أبراهام التي وقعتها بعض دول الخليج مع إسرائيل في السنوات الماضية. وهكذا، بدا أن زعماء العرب والمسلمين صاغوا في الدوحة رسالة غضب موحدة: قطر ليست وحدها، وإذا مسّتها نار إسرائيل ستحترق أصابع التطبيع الهشّة.



في لقطة جماعية تاريخية، وقف القادة جنباً إلى جنب لالتقاط الصورة التذكارية. بدت ثيابهم المتنوعة كفسيفساء للعالم الإسلامي: الزي الأبيض والأغطية المزركشة إلى جانب البدلات الرسمية. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ظهر ممسكاً بيد الأمير تميم في لقطة غير مألوفة، وإلى جانهم الرئيس التركي والإيراني والعاهل الأردني وبقية الزعماء. في تلك اللحظة، لاحت ابتسامات خفيفة على الوجوه المتعبة، وربما شعر البعض بنشوة وحدة عابرة. لكن خلف الابتسامات كانت الحقيقة حاضرة: هذه قمة غضب لا قمة نتائج.



على وقع هذه الأحداث المتسارعة، أخذ التاريخ يتردّد صداه في الأذهان. قبل ما يقارب ستة عقود، وفي أعقاب هزيمة 1967 المدوية، التأم شمل ملوك العرب ورؤسائهم في الخرطوم تحت خيام أقل بهرجة، ليعلنوا ما عُرف بـ*“اللاءات الثلاث”*: لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل. كان ذلك زمناً مختلفاً، حين كان العالم منقسماً بين معسكرين، وحين ظن القادة أن وحدة الصف والكلمة تكفي لقلب موازين الصراع. اليوم، في قاعة الدوحة الحديثة، لم ينطق أي من الزعماء بمثل تلك اللاءات القديمة؛ فبعضهم بات يعترف ويتفاوض ويصالح منذ سنوات.



من القدس، ربما تذكر نتنياهو، وهو يرافق روبيو في تلك الشوارع الأثرية، كيف أن الجنرال موشي دايان وقف منتشياً عام 1967 على جبل الهيكل، معلناً “عودة جبل المعبد إلى أيدي إسرائيل” بعد ألفي عام. إنه صراع روايات تاريخية متعارضة: رواية إسرائيل التي ترى نفسها تعود لأرض الميعاد وتحرس إرث الهيكل القديم، ورواية العرب والمسلمين الذين يرون القدس أمانةً عمرية في عهدتهم منذ قرون. وفيما كان روبيو يتأمل حجارة الحائط، ربما تذكّر بعض مستشاريه نبوءات صموئيل هنتنغتون عن “صدام الحضارات”. فالمشهد أمامنا لا يخلو من ومضات صراع حضاري: أمة الإسلام المجتمعة في الدوحة ترفع الصوت ضد الدولة اليهودية المدعومة من أعظم قوة غربية. إنه طور جديد من ملحمة قديمة، تتداخل فيها أساطير دينية وطموحات قومية ومصالح دولية.



يبدو أننا نشهد دورة جديدة من دورات الصراع. هنا حضارة عربية-إسلامية تستشعر الخطر على إحدى عواصمها، وهناك حضارة غربية-إسرائيلية تشعر بتهديد وجودي من عدو يتوارى في الأنفاق ويدعمه عمق عقائدي. وبين الحضارتين تقف الولايات المتحدة كإمبراطورية العصر الحديث تحاول ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الكبير. في القمة، صدح أمير قطر محذراً من رؤية إسرائيلية توسعية تريد جعل المنطقة العربية "مجالاً حيوياً لها" وواصفاً ذلك بالوهم الخطير. وفي المقابل، نسمع نتنياهو يتحدث أمام روبيو عن "الشعب المختار" ومهمته في تطهير أرضه من "الإرهابيين الأشرار". إنها لغة تكاد ترتقي إلى مستوى القداسة الدينية: طرف يتحدّث بمنطق الوعد الإلهي والأرض الموعودة، وطرف يستحضر مفهوم الأمة الواحدة التي "إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد".



هذا التشابك بين الديني والسياسي جعل المشهد يبدو أشبه بلوحة أسطورية: نتنياهو يقف كأنه ملك توراتي يقرأ مزاميره أمام جدار الهيكل، وتميم يعتلي المنبر كقائد مسلم يستنفر جيوش الأمة لنصرة الأرض المقدسة. وفي الخلفية يتردّد صدى أسماء عظام من التاريخ: يكاد صلاح الدين الأيوبي ينهض من قبره على وقع استهداف غزة وحصارها، فيما يلوّح الملك داوود بسيفه الأسطوري دفاعاً عن أورشليم. وبين الأسطورتين، شعب فلسطيني ممزق تحت القصف، ينظر بلا حول ولا قوة إلى المسرح الكبير الذي تُقاد عليه مصائره.



ما يجري اليوم يضع على المحك منظومة التحالفات الجديدة التي شُيّدت في السنوات الأخيرة. فعلى بساط أبيض في حديقة البيت الأبيض قبل خمس سنوات فقط، وقف دونالد ترامب مبتسماً كصانع سلام تاريخي، وعن يمينه بنيامين نتنياهو وعن يساره وزراء خارجية الإمارات والبحرين، يوقّعون ما سُمّي اتفاقات أبراهام. يومها قال ترامب كلمته الشهيرة: "لدينا فجر شرق أوسطي جديد". أطلقت المدافع 21 طلقة احتفالاً، وعانق المسؤولون بعضهم تحت سماء واشنطن. تلك اللحظة بدت للكثيرين نهاية فصل دامٍ وبداية عهد جديد من التعايش. إبراهيم، النبي الذي يعتبره المسلمون واليهود (والمسيحيون) أباهم المشترك، أعطى اسمه للاتفاق رمزاً للإخاء بين أبناء العمومة.



لكن ها نحن بعد نصف عقد فقط، نرى أبناء إبراهيم يتخاصمون من جديد تحت وطأة حرب غزة المفتوحة. فالدول التي صافحت إسرائيل حديثاً تجلس اليوم في قاعة بالدوحة تدينها وتشجب فعلتها. لقد اضطرت الإمارات مثلاً أن تحذر بوضوح من مغبة استمرار إسرائيل بخطط ضم المستوطنات في الضفة الغربية، معتبرة أن ذلك يقوّض اتفاقات أبراهام ويهدد العلاقات الوليدة. مصر بدورها، رغم علاقاتها المستقرة بإسرائيل، حذرت من أن ضربات إسرائيل الأخيرة تعرقل أي فرص لسلام جديد. حتى السعودية، التي كانت على وشك الالتحاق بركب التطبيع وفق تسريبات الأعوام الماضية، ذهب ولي عهدها للقمة ليقول بلسان الحال: ليس الآن، ليس وإسرائيل تقصف عاصمة شقيقة وتجتاح غزة بلا هوادة.



من الجانب الآخر، جلست إسرائيل تراقب هذا التصدّع بقلق مكتوم. صحيح أن نتنياهو يتفاخر علناً بأنه لن يتراجع قيد أنملة بعد ضربة الدوحة رغم الإدانات، ويواصل التهديد بضرب قادة حماس "أينما وجدوا"، إلا أن عيون صقور تل أبيب على ما يبدو بدأت تلمح خطراً استراتيجياً: هل تنهار شبكة العلاقات الإقليمية التي نسجوها بجهد في السنوات الأخيرة؟ لقد راهن نتنياهو طويلاً على تطبيع مجاني مع العرب دون الاضطرار لتقديم حل عادل للفلسطينيين، واعتبر أن عامل الزمن يعمل لصالحه. لكن ضربته في الدوحة بدت كأنها أيقظت أشباح المقاطعة من جديد. يقول دبلوماسي غربي: "إسرائيل فجّرت بنفسها لغماً تحت سرير تحالفاتها الخليجية".



ولعل أكثر ما يقلق إسرائيل وأميركا اليوم هو أن يُقدِم بعض الحلفاء الجدد على فرملة قطار التطبيع أو حتى إيقافه. بيان القمة في قطر، رغم لغته المدروسة، تضمّن دعوة صريحة لمراجعة العلاقات مع إسرائيل. هل يمكن أن تقدم الإمارات أو البحرين مثلاً على تجميد اتفاقياتها أو سحب سفرائها؟ وفي الكواليس، بدأت تتردد أحاديث عن "موت سريري لاتفاقات أبراهام" إذا مضت إسرائيل في خططها لغزو غزة بالكامل وربما ضم أجزاء من الضفة الغربية كرد على اعترافات محتملة بدولة فلسطين في الأمم المتحدة. حتى إدارة ترامب نفسها، التي رعت تلك الاتفاقات، تخشى من هذا السيناريو؛ فهي لا تريد لحلم ترامب في إرث سلام شرق أوسطي أن يتحطم ويصبح سراباً.



على الجانب الأميركي، يتحرك ماركو روبيو بين المعسكرين في مهمة دقيقة أشبه بالمستحيل: ترميم ما أفسدته صواريخ نتنياهو في الدوحة، من دون أن يُضعف عزيمة إسرائيل في حرب غزة. في مؤتمر صحفي بالقدس، وقف روبيو بجانب نتنياهو ليؤكد بحزم أن واشنطن باقية على دعمها الثابت لإسرائيل، وأن حماس عصابة إرهابية همجية لا بد من نزع سلاحها والقضاء عليها. وفي الوقت عينه، حرص على توجيه رسالة تطمين إلى القطريين مفادها: "نحن بحاجة إلى قطر لتواصل دورها البناء في حل النزاع". لم يُخفِ روبيو أن الحل الدبلوماسي يبدو بعيد المنال حالياً، قائلاً بواقعية: "بقدر ما نتمنى نهاية سلمية للحرب، علينا أن نستعد لاحتمال أن ذلك لن يحدث". هذه العبارات الصريحة تعني ضمناً مباركة أميركية لاستمرار المعركة حتى تحقيق ما تعتبره إسرائيل نصراً حاسماً. لكن بالتوازي، حمل روبيو في جعبته حوافز للدوحة: فهناك حديث عن اقتراب توقيع اتفاقية دفاعية مع قطر لتعزيز حماية الإمارة، وربما ضمانات أميركية بألا تتكرر حادثة الاختراق الإسرائيلي لأجوائها. هكذا هي الدبلوماسية في زمن الحرب: جزرة وعصا، تطمين وتهديد، في آن معاً.



بين نارين وجدارين

مع غروب شمس يوم القمة، كانت طائرة روبيو تحطّ في الدوحة حاملة وعوداً واعتذارات ضمنية. وفي تلك الليلة، ربما تأمل الأمير تميم ضيفه الأميركي وهو ينقل إليه رسالة الرئيس ترامب بأن "مثل هذا الهجوم لن يتكرر على أرضكم". إنها كلمات مطمئنة لكنها تبقى وعوداً في مهب ريح حربٍ عاتية. فغزة لا تزال تحترق؛ في اليوم ذاته كانت سحب الدخان تتصاعد من أبراجها المدمّرة. وأكثر من 64 ألف قتيل فلسطيني سقطوا خلال نحو عامين من القتال، في مقابل مقتل 1200 إسرائيلي في هجمات حماس الأولى وأسر مئات الرهائن. مشاهد النزوح الجماعي وسير عشرات الآلاف جنوباً هرباً من جحيم غزة طغت على كل حديث سياسي. أمام هذه الكارثة الإنسانية، يقف العرب والمسلمون في الدوحة رافعين بياناً، ويقف الأميركيون والإسرائيليون في القدس رافعين صلوات وأعلاماً. مشهدان متوازيان كخطّي سكة حديد لا يلتقيان، لكنهما يمضيان بالمنطقة نحو وجهة مجهولة واحدة.



في فجر اليوم التالي، استيقظ العالم على صورتين متناقضتين انتشرتا في وسائل الإعلام: صورة الزعماء العرب والمسلمين متشابكي الأيدي في الدوحة، وصورة روبيو ونتنياهو يضعان ورقة الأمنيات في حائط المبكى. بين الصورتين، بدا الشرق الأوسط كأنه يقف بين جدارين صلبين: جدار دبلوماسي من الكلمات والوحدة الظرفية شيّده العرب في مواجهة إسرائيل، وجدار حجري روحي متين يستند إليه الإسرائيليون ومعهم الحليف الأميركي. فهل يُسهم أيٌّ من الجدارين في وقف نزيف الحرب المستعرة؟ أم أننا مقدمون على تصدعٍ أكبر يُسقط ما تبقى من خرائط وحدود في المنطقة؟



يرحل القادة عن الدوحة وقد أدّوا واجب التضامن، ويغادر روبيو القدس حاملاً لواء الدعم. في الخلفية، ترتسم ملامح معركة أكبر تلوح في الأفق: إسرائيل تتهيأ لاقتحام مدينة غزة مهما كان الثمن، وحماس تتوعد بتحويل المعركة إلى مستنقع لا يخرج منه الجنود إلا بالأكفان. وبينما يُقبل العالم على اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة قد يشهد اعترافاً أممياً بدولة فلسطين، يلوّح نتنياهو بورقة ضم الضفة كورقة عقاب وردع. إنها حافة الهاوية بكل ما للكلمة من معنى.



عند حائط المبكى، تبقى الورقات المكتوبة بأدعية حبيسة الشقوق، وفي قاعة القمة تخفت الأضواء وتُطوى الشعارات الرنانة بين رفوف الأرشيف. لا تزال حمامة السلام تطوف على الأرض المقدسة، لكنها تئن مثخنة بجراحها، فيما صقور الحرب تحلّق من حولها بانتظار الانقضاض. وفي هذا المشهد الذي تختلط فيه الأسطورة بالواقع، يبدو كأن آلهة الحرب القديمة قد عادت لتتنازع مصائر البشر على أرض كنعان. التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد؛ فصل جديد يوشك أن يُكتب بمداد الدم والنار. وبين قمة الدوحة وطقوس أورشليم، يظل الشرق الأوسط معلقاً على حافة قدر مجهول، ينتظر فجراً جديداً قد يحمل السلام… أو ينذر بالمزيد من الأسى تحت سماء لا تزال حبلى بالعواصف.