زمن!! شباط 2014، سافر أنسي الحاج. ترك لنا "كلمات. كلمات. كلمات"، وقصائد: "ماضي الأيام الآتية" و"ماذا صنعت بالذهب" و"الرسولة..." و"لن" وسواها.
يحتلّ أنسي الحاج فرادة وسَمَت منحاه الشعري، منذ صدور مجموعته الأولى "لن" في العام 1960، و"المقدمة" التي أثارت سجالات كثيرة حادة بين كتّاب ونقّاد وشعراء ومثقّفي العالم العربي، حول اتجاهات الشعر، واعتبرت يومها بيانًا لولادة ما أسماه "قصائد النثر" في الحداثة العربية.
شكّل الشعر عند أنسي الحاج قضية شخصية، اخترع لها حياته وأدوات التعبير، في مغامرة مطلقِ حرية الإنسان.
ثوَّر النَّص الشعريّ، محتوى وحقًّا، لاستيعاب تحدّيات اللحظة الحضارية واستجابة لمعنى ودور شعر حداثي متفاعل وفاعل في طروحات العصر، وتحوّلات مسارات وتطور الشعوب، ونبض الحياة.
"كلمات. كلمات. كلمات" مقالاته النارية، قرأناها في ملحق"النهار" الذي أسّسه أنسي مطلع الستينات، إبان مرحلة غليان بيروت، عاصمة العالم العربي وفضاء الثقافة، طباعةً ومسرحًا وفنونًا تشكيلية، ومهرجانات عالمية... يومها كانت بيروت ساحة الحريّة اليتيمة المتاحة في هذا الشرق العربي، وكانت كلماته النارية راصدة، ناقدة التخلّف، وجلدًا لنومة أهل الكهف.
كتب عن الناصريّة وعلّق على الحروب العربية، ونكسة حزيران إلى حرب 1973. تناول المحطات الكبرى والتحوّلات الغربية الأوروبية، الفكرية والسياسية، من الوجودية إلى السورياليّة، فالعسكريتاريا، وحكم السّلالات والأشباح، ومن ثورة الطلاب الباريسية أيار 1968، واعتزال ديغول، إلى الإيمان والإلحاد والثورة الجنسيّة، وصولًا إلى ثورة ماوتسي تونغ الثقافية على بوابات سور الصين العظيم!
نذكر مقالاته، يوم كانت مقاهي بيروت، الدولتشي فيتا، والنّغرسكو، ملتقى المضطهدين، المبعدين العرب، من بعث وشيوعيين وقوميّين عرب وسائر الأنتلجنسيا الهاربة من أنظمة القمع الشمولية.
من شارع الحمراء، و "نهار" غسّان تويني، من هناك كانت تطلع كلمات أنسي، حروف التحريض الجميل للحريّة.
هل ذاكرون بعد منعها، كيف استكمل روجيه عساف ونضال الأشقر تقديم مسرحية "مجدلون" في مقهى الهورس شو في الحمراء... وكانت الرقابة!
الكتّاب، المفكرون، الفلاسفة هؤلاء، رسموا خرائط الطرق لمسارات الشعوب، وتطوير الحضارة الإنسانية... لم يضطلعوا بأعباء المسؤولية السياسية... بقيت أصواتهم ملهمة، لمن يريد أن يقرأ في شطط الساسة والنّظم، وأعطوا دروسًا في الحكم... من ديمقراطية أثينا المباشرة (حكم الشعب) في القرن الخامس ق.م. تذكرون سقراط الذي شرب السّم، احترامًا لحكم الديمقراطية، بتهمة الفساد والإلحاد، إلى الكاتب الفيلسوف مونتيسكيو واضع نظرية "فصل السلطات" في "روح الشرائع"، إلى كتّابنا الإصلاحيين، جبران في "لكم لبنانكم ولي لبناني"، و "ويل لأمّة"، إلى أمين الريحاني و"متى تحوّلين وجهك نحو الشرق أيتها الحريّة؟"، إلى ميخائيل نعيمه "لتقم على أكتاف دويلات الناس، دولة الإنسان!".
هؤلاء، جميعهم لم يكونوا نوابًا ووزراء، وقادة تيارات واسترزاقات سياسية... كانوا رجال فكر ورؤى... فمن يقرأ؟ في عالم بائس بالسياسة، نعود إلى كلمات أفلاطون في أكاديمية أثينا القديمة، على بوابتها "هنا ممنوع دخول رجال السياسة...".
من مؤلفاته الشعرية: ماذا فعلتَ بالوردة؟
بَوحٌ آخر لعشيةٍ راحت، حلّت علينا، "بشعرها الطويل حتى الينابيع".
من مجموعة: "ماذا صنعت بالذهب..."
إذهبي اذهبي ولتتبارك الأرض
إذهبي في روائح الّليمون ولا ترجعي بعد القطاف.
إتّحدي ولا تنفصلي.
تضمّخي تَوزّعي في الشُعاع لا تنعكسي.
تصاعدي تصاعدي لا تُمطري. إجعلي خدّيك نسرينتَين وكوني جذعهما.
ليَصِرُ نهداك مصباحين وأنت عتمهما.
ليكن شعرك غيمة وكوني عاصفة. إذهبي اذهبي ولتتبارك الأرض.
حُزني عظيم نعم
من أنت التي أُحبّها؟
أنت التي عند قدمَيها أرفع رأسي. كانت لي أيام ولم يكن لي عمر. اغتنيت لما صلبت حريتي على شغفي. آمنت بتلك المرأة، وإني أبصر. وما وقفت كجدار في الأرض بل غدوت الأرض يوم سارت إليّ حبيبتي لتحضرني وأحضرها غيابًا وراء غياب.
كان خصرها أشقر
منذ ربيتك وأنت نجمة ضئيلة. كان خصرك أشقر فلمّا كبرت صرت كرزة. تسوّين شعرك بأسنان شهوتي. تحذرينني وأحذرك.
أنا الثعلب وأنت الثلج.
من مجموعة: "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة".
صار جسدي كالخزف ونزلت أوديتي صارت لغتي كالشمع وأشعلت لغتي،
وكنتُ بالحب.
لامرأة أنهضت الأسوار فيخلو طريقي إليها.
جميلة كمعصية وجميلة
كجميلة عارية في مرآة
وكأميرة شاردة ومخمّرة في الكرم ومن بسببها أُجليت وانتظرتها على وجوه المياه
جميلة كمركب وحيد يقدّم نفسه كسرير أجده فيذكرني سريرًا نسيته جميلة كنبوءة ترسل إلى الماضي كقمر الأغنية
جميلة كأزهار تحت ندى العينين كسهولة كل شيء حين تغمض العينين
كالشمس تدوس العنب
كعنب كالثدي
اسمح لي، يا الله
أن أتذكر خطيئتي
أن أتذكر عن جميع آبائي
أن أتعذب نَدَمهُم وأنهار توبتهِم
أمام حبيبتي.
يا حبيبتي.
أوانُ العدلِ يكتمل فيكِ، فليفتحوا العيد
الحياة كلّها تركع فيَّ عند قدميكِ أختصر إليك توبة الرُّمان، وأسجد إليك طاعة الأعمار
واغسل عتبةَ بابك بدموع الخليقة.
أنا هو الشّيطان، أُقدم نفسي: غَلَبتني الرقّة
أنا الموقع اسمي أدناه
أسمع المطرَ ينزل
جافًا على الإسفلت
ومما قلتُ الآن وقبل الآن
لن تذكروا كلمة
لكن فمي ارتوى قليلًا
وهو يروي لمن يريد
ماضي الأيام الآتية.