سبعة أيام فصلت بين حدثين لهما دلالة في تاريخ لبنان الحديث. كلمة الدكتور سمير جعجع في ذكرى "شهداء القوات اللبنانية"، وبعدها بأسبوع كلمة الرئيس جوزاف عون في أول إحياء للدولة اللبنانية لذكرى "استشهاد الرئيس بشير الجميّل".
منذ سنوات و"القوات اللبنانية" تقيم قداسًا سنويًّا على أرواح شهدائها. لم تكن دقة التنظيم خروجًا على ما بات معلمًا لازم احتفالات "القوات"، إنما ما ارتفع عن سوابقه كان مستوى من لبى الدعوة من أرفع مستويات مفكري مختلف طوائف لبنان، السنّة والدروز، لكن خاصة شيعة اتصفوا بجرأة البوح بما تقتضي السلامة كتمانه. كان ذاك الجمع صورة لبنان الليبرالي الذي نتوق إليه والمبني على قيم طورتها الحضارة الغربية وتقوم على المساواة بين المواطنين وحريات الاعتقاد والتعبير والاحتكام للقانون. غير أن ذروة الحدث تجدها في كلمة رئيس "القوات اللبنانية".
جريًا على سمة اتقان لازمته، استعرض رئيس "القوات" المشهد اللبناني بتفصيل تصاعد حتى بلغ ذروته في نداء وجّهه إلى المكوّن الشيعي لنبني سويةً لبنان جديدًا. لاح لي وأنا أسمع نداءه لشيعة لبنان، جري الأب لاحتضان "الإبن الضال" وإقامة الاحتفالات برجوعه.
7 أيلول مناسبة دورية ينتظرها الكثيرون. غير أنّ المفاجأة كانت بعد أسبوع من ذاك التاريخ. في 14 أيلول، تمّ إعلان غير رسمي لاستقلال لبنان بعد 43 سنة من الاحتلالات السورية والإيرانية بإقامة الرئيس جوزاف عون ذكرى الرئيس بشير الجمّيل، كما شارك في إحياء الذكرى رئيس الوزراء نواف سلام. أروع ما في الكلمة قول الرئيس عون "المبادئ التي ضحّى من أجلها باتت ثوابت وطنية لجميع اللبنانيين، أبرزها لبنان الحرّ المستقلّ القويّ بوحدة شعبه وتضامن مكوناته". لإدراك أهمية إحياء الرئيس عون ذكرى بشير الجميّل أنها في السنين اللاحقة لـ 1982 اقتصر الاحتفال على حشد غير رسمي لأنصار الرئيس بشير يجتمعون في العازارية - الأشرفية بأعداد تضاءلت بالتدريج قبل صرف النظر عنها بعد وقت قصير. أما السلطة الرسمية منذ أمين الجميّل، فالهراوي، فلحود، فسليمان، فميشال عون، فصرفوا النظر عنها وتجاهلوها.
في الحدثين ما يعد بغد أفضل للبنان ولشعبه شرط ألا ننساق وراء الأوهام أو يجمح بنا الطموح إلى فرض إرادة البعض منّا على سائرنا. ما يحمل على بعض تفاؤل أن أغلبية المجموعات اللبنانية، تعلّمت من تطورات العقود الأخيرة. ألفت المجموعات في السابق الاستجارة بعنصر خارجي يربطها به عادة رباط ديني، لتحسين وضعها الداخلي. الحروب المتلاحقة والدمار والنزوح الجماعي، لم يدع عند أحد، أي شك بأن السلام مع اللبناني الآخر خير من قتاله. درس تلقته هذه الشعوب باستثناء الشيعة وإن تشير كل الدلائل إلى تقلّص عدد من ينادي "ببتر الأيادي التي تمتد لسلاح المقاومة" و"تسلبيم سلاح المقاومة فقط للمهدي بعد ظهوره". لكن، حتى ولو ثبت أن الأكثرية لم تبدّل قناعاتها، فالحلّ لا يكون بفرض إرادة الغير بل بإيلائهم حقّ تقرير المصير. لا حقّ لأحد أن يفرض قوانين مصدرها دار الكفر على أكثرية قناعاتها أن الحكم الصحيح والشرعي بأمور العائلة تجده بين دفتي "تحرير الوسيلة" مرجع من يقلّد الإمام روح الله الخميني.
ثم إنّ علينا كلبنانيين أن نتصل بالحاضر ونسقط ما طواه الزمن. لم تعد "أمجاد الماضي" وبأس الدول مصدرًا لحقوق الإنسان إذ حقوقه "أصيلة فيه وثابتة"، ليس بحسب نظرية مفكر ما يمكن الاستشهاد برأي مخالف لمفكر لا يقل عنه وزنًا، بل إنّ مصدر التسليم بحقوق الإنسان هو اتفاقية أقرّها المجتمع الدولي من دون أي صوت معارض في 10 كانون الأول 1948. من شأن هذا المنطلق إعتاق الإنسان من استجداء قيمته "الثابتة" من أي مصدر خارجي عن كونه إنسانًا. "أنا موجود لذا لي الحق بالوجود".
هذا الانسجام الداخلي هو أساس قيام المجتمعات الحديثة، كما أنه سبب ازدهارها واستمرارها. فلا ضرر إن تقلّصت مساحة لبنان وانخفض عدد سكانه واقتصر على من يشتركون بقيم إنسانية شاملة ويتقيّدون بالقوانين الدولية. الشيعة الليبراليون يحلون بيننا على الرحب والسعة إذ وجودهم يثري وطننا. وبالمنطق عينه، لن يكون في لبناننا متسع لراهبات ذمّيات يتلين الفاتحة أو لسيدة تغطي شعرها وتقف بكل خشوع تتعبد لتمثال قاسم سليماني ثم ترسم إشارة الصليب وتغادر. أما الصحافيات والمفكرات ممن يسرفن في الدفاع عن "المقاومة" فلن يجدن فينا إلا كل تشجيع لهنّ للانتقال والاستقرار في ربوعها.