جوزيف بوهيا

لبنان: خيار الدولة أو الفوضى

3 دقائق للقراءة

في خضمّ الانهيارات والأحداث المتلاحقة، لم يعد النقاش يدور حول حادثة هنا أو أزمة هناك، بل بات واضحًا أنّ لبنان يقف أمام خيار مصيري: إما دولة حقيقية قادرة على حماية شرعيتها وفرض هيبتها، أو سلطة رمادية عاجزة تترك البلد رهينة الخارج ومشاريع الدويلة.


دولة مُعطَّلة وحزب مُستقوٍ

الاعتداءات المتكررة على قوات الأمم المتحدة في الجنوب لم تعد أحداثًا عابرة، بل مؤشرًا صارخًا على اهتراء هيبة الدولة وعجزها عن ضبط المشهد. وسلطة تعجز عن حماية قوات أممية تعمل بغطاء مجلس الأمن وبموافقة رسمية لبنانية تفقد بالضرورة صدقيتها وهيبتها أمام المجتمع الدولي.


الأخطر أنّ هذه الاعتداءات تتزامن مع ضربات إسرائيلية عنيفة جعلت "الحزب" في موقع المفعول به على الجبهة الخارجية. وفي الداخل، يفرض معادلاته على الدولة ويستقوي على مؤسساتها. والسلطة، بدل أن تواجه هذا الواقع، تراعي صورته أكثر مما تراعي مصالح الغالبية العظمى من اللبنانيين. بهذه الطريقة يتكرّس التناقض بين ضعف أمام إسرائيل وتَسَلُّط على الداخل.


وفوق ذلك، يحاول الحزب تحويل الضربات الإسرائيلية إلى مادة دعائية في بيئته، مقدّمًا إياها كدليل على "تهاون" الدولة أو "تقصيرها". وبذلك يترجم عجزه الخارجي إلى خطاب كراهية ضد الدولة اللبنانية يبرّر من خلاله استمرار هيمنته. معادلة مكشوفة تقوم على مواجهة محدودة مع العدو يقابلها تعويض بالسيطرة على الداخل.


أزمة بنيوية وانعكاسات دولية

المسألة أبعد من حادثة أمنية معزولة. إنها أزمة سيادة بنيوية تتمثل في غياب قرار حقيقي يحدد من يحتكر السلاح ومن يملك الكلمة الفصل. فحين يُعلن "الحزب" صراحة أنه يعيد بناء قوته العسكرية بمعزل عن الحكومة، وحين يرفض عمليًا الاعتراف بقراراتها، تصبح الدولة في موقع التابع لا القائد.


الأسوأ أنّ هذا السلوك يفتح الباب أمام إسرائيل لتبرير ضرباتها المتواصلة بذريعة مواجهة تسلّح الحزب. ومع ذلك، يعرف الجميع أنّ الحزب نفسه يتفادى مواجهة معها. وهكذا يجد لبنان نفسه بين نارين؛ حزب يتباهى بامتلاك قرار الحرب والسلم خارج الشرعية، وإسرائيل التي تستغلّ ذلك لتبرير عملياتها العسكرية المستمرة. النتيجة الحتمية أن الدولة تُستنزف سياديًا، فيما يدفع اللبنانيون الثمن.


إما دولة أو لا دولة

المطلوب اليوم قرار حاسم لا يحتمل الالتباس. فإما دولة مسؤولة تفرض سيادة القانون بلا استثناء، أو سلطة عاجزة تستسلم لمعادلات الدويلة وتترك الشعب رهينة مشاريع إقليمية. اللبنانيون لم يعودوا يبحثون عن شعارات ولا عن تسويات هشّة، بل عن دولة فعلية قادرة على حماية نفسها وحماية مواطنيها.


اللحظة مصيرية. إما خيار الدولة، بكل ما يعنيه من مسؤولية وهيبة وعدالة، أو الاستمرار في دوامة الانهيار حيث لا منتصر سوى الفوضى، والخاسر الأكبر هو الشعب.