باريس
في الوقت الذي تستعد فيه فرنسا ودول عدة للاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، بموازاة افتتاح اعمال الجميعة العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول في نيويورك، يتصاعد نقاش شعبي وسياسي على أراضيها حول إعلان بلديات عدد من المدن عزمها على رفع العلم الفلسطيني على مبانيها العامة.
هذا القرار يعكس في الواقع انقسامات عميقة داخل المجتمع الفرنسي، ويثر تساؤلات حول تأثير الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والحرب الدائرة في غزة على المجتمعات الغربية، وامتدّ ليشمل توترات دبلوماسية متصاعدة بين باريس وتل ابيب، تجلّت بانتقادات متكرّرة وقاسية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للوضع المأسوي للمدنيين في غزة وتقويض أسس الدولة الفلسطينة ومحاولات ضمّ الضفة الغربية، وردّ عليها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو باتهام الرئيس الفرنسي بإشعال نار معاداة للسامية وبتقوية موقف "حركة حماس".
من جهتها اتخذت وزارة الداخلية الفرنسيّة موقفًا حازمًا ضدّ رفع الأعلام، مستندةً إلى مبدأ حياد المؤسسات الرسمية ومتحجّجة بمخاطر الإخلال بالنظام العام. هذا القرار الذي عمّمه وزير الداخلية على المفوّضين العامّين للشرطة في كافة المقاطعات الفرنسية يهف الى تجنّب أن يتحول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى ساحة صراع داخلية تهدد التماسك الوطني والاجتماعي في بلد يعاني أصلًا من توترات مجتمعية مقلقة بسبب الهجرة والخدمات الصحية والمالية والاجتماعية المعقدة للمهاجرين غير الشرعيين إضافة الى الاحتجاجات الشعبية على الأوضاع المعيشية ومشروع الموازنة المقبلة.
وهذه الأوضاع مجتمعة تشكّل عامل اضطراب اجتماعي وعدم استقرار سياسي يحذّر خبراء اجتماعيون واقتصاديون من أن يتحوّل الى انفجار يؤدّي إلى شرخ بين مكوّنات المجتمع الفرنسي. وفرنسا ليست بحاجة لموضع جدلي إضافيّ يهدّد الاستقرار العام بحسب أحد أعضاء حزب "الجمهوريون".
تعميم وزير الداخلية ليس مسألة إدارية أو قانونية فحسب، بل هو علامة على أزمة سياسية عميقة. رؤساء بلديات عدة، خصوصًا من اليسار التقدمي أو البلديات ذات التاريخ النضالي في التضامن الدولي، أعلنوا دعمهم للدولة الفلسطينية، معتبرين رفع العلم الفلسطيني فعل عدالة واعترافًا بشعب حُرم من دولته منذ عقود.
تعكس هذه التوترات الرمزية واقعًا أوسع: لم يعد الصراع في غزة مأساة بعيدة، بل أصبح قضية مباشرة تمسّ الديمقراطية الفرنسية، واختبارًا لقدرة المجتمع على إدارة الاختلاف، واحترام حرية التعبير من دون المساس بالسلم الأهلي، وإثبات المبادئ الجمهورية التي قد تتعارض أحيانا بين الموقف السياسي الرسمي المعلن _ الاعتراف بدولة فلسطين - وبين قوانين الجمهورية القائمة على الحياد.
يتزامن قرار 22 أيلول مع رأس السنة العبرية "روش هشانا"، ممّا يزيد من تعقيد المشهد ويبرز ضرورة إدارة حساسة للذاكرة والتاريخ والهويات المتنوعة في فرنسا. يحث هذا التوقيت على تفادي تحول الدعم لقضية عادلة إلى رفض أو تهميش مكون اجتماعي، يهود فرنسا الذي دعا حاخامها الأكبر، الرئيس ماكرون، إلى إعادة النظر بموقفه، الأمر الذي يعمّق الانقسامات الوطنية ويعرّض علاقات فرنسا الخارجية للخطر، مع اسرائيل في هذه الحالة.
وراء هذه الرموز، هناك حاجة إنسانية وسياسية ملحة: ضرورة تحقيق سلام دائم يحترم حقوق الجميع، الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. قد يكون اعتراف فرنسا بدولة فلسطين خطوة نحو هذا الهدف، لكن بشرط أن يكون مصحوبًا بالتزام واضح بالعدل والأمن، لا مجرد رمزية منفصلة عن الواقع.
مع اقتراب استحقاق الغد والكلمة المنتظزة للرئيس ماكرون في نيويورك، تواجه فرنسا تحديًا يتمثل في التوفيق بين الالتزام الأخلاقي والاستقرار الداخلي والدبلوماسية المتوازنة. إن النقاش حول العلم الفلسطيني هو مرآة لهذا التحدي. ومن الضروري أن تتم الإجابة عنه بمسؤولية وانفتاح، حتى لا يتحوّل التضامن إلى انقسام، والسلام إلى كلمة بلا مضمون.
.