ريتا عازار

مادونا والكاب وبايدن والسلّم وأنا والرصيف

حفلة سقوط عالمية بلا بروتوكول

7 دقائق للقراءة

يقولون إنّ الضحك دواء الروح، لكنهم لا يذكرون أنّ كثيرًا من جرعاته تأتي من أماكن موجعة للغاية، كرُكبةٍ اصطدمت بدرج، أو كعبٍ تعثّر بحجر صغير. فسقوط الإنسان مشهد قديم قِدَم البشرية، ربّما مذ وطئت قدما آدم أرض الجنة. ومع ذلك، ما زلنا نضحك عندما يسقط الآخرون، وكأنّ الكرامة الإنسانية قابلة للانزلاق أكثر من الأرضية الرخامية في "المولات". أما أنا، فقلبي يختار الانحياز إلى المتعثِّر، حتى لو كانت سقطته خفيفة. وبينما ينفجر كثيرون ضحكًا، أنفجر أنا تعاطفًا، كأنني موظفة سرّية في "منظمة حقوق الساقَين المكسورتَين".

لا يهمّ إن كنت نجمًا في هوليوود أو رئيسًا لدولة أو مواطنة عادية تحاول عبور الشارع، فالتعثّر لا يعترف بالمكانة الاجتماعية. منذ أيام مثلًا، تسلّى الجميع بمشاهدة زوجة وزير خارجية الولايات المتحدة مدام روبيو الرشيقة، تتعثر وهي تنزل سلّم الطائرة في قطر. نعم، السقوط هو أكثر ديمقراطيّة من أي نظام سياسي عرفته البشرية!


التعثُّر الأنيق

خذوا مثلًا النجمة جينيفر لورانس. الصبيّة الحاصلة على "الأوسكار" تعثّرت أمام عيون الملايين في العام 2013 وهي تتوجّه إلى المسرح لتسلُّم جائزتها. حاولتْ إنقاذ الموقف بابتسامة، لكنها أعطتنا مشهدًا يُدرَّس في كتب "التعثّر الأنيق". ولم تكتفِ بسقطة واحدة، بل أعادت الكرّة في العام التالي على السجادة الحمراء. لعلّها تؤمن بمقولة: "إذا لم تنجح في أول سقوط، جرّب ثانية".

مادونا ودرس "الكاب"

إذا كان التعثُّر فنًا، فمادونا قدّمت عرضه الأكبر في العام 2015. خلال حفل "Brit Awards" لبست رداءً برّاقًا ذا "كاب" طويل، لكن الذيل قرّر أن "يتمرّد" عليها، فشدّها بِقوّة إلى الخلف ما جعلها تهوي أرضًا. المشهد كان صاخبًا أكثر من أغنياتها. الغريب أنّ الجمهور لم يسأل: "هل تأذت؟"، بل سأل "هل أُعيد المقطع على "اليوتيوب" بجودة أفضل؟".

هكذا تتحوّل المأساة إلى "ميم" على الإنترنت! العالم يضحك، وأنا أتخيّل مادونا تكتب رسالة غاضبة إلى خيّاط "الكاب".

وقار السلطة أرضًا

قد يظنّ البعض أنّ الرؤساء محصّنون من السقوط، لكن السيّدة "gravity" لا تعترف بالسيادة الوطنية.

في العام 2017، خلال "القمّة العربية" المنعقدة في عمّان، تقدّم الرئيس اللبناني (السابق) ميشال عون بخطوات واثقة لالتقاط الصورة التذكارية. وما إن ابتسمت الكاميرات، حتى قرّرت الأرض أن تمزح معه. تعثّر الرجل أمام القادة العرب جميعًا، وأصبح الحدث عنوانًا للصحف أكثر من القرارات السياسيّة للقمّة نفسها.

لم يكن عون وحده في النادي. جو بايدن، الرئيس الأميركي، سقط أكثر من مرّة وهو يصعد سلّم الطائرة الرئاسية. لو كانت "gravity" تملك حسًّا سياسيًا، لأصبحت المستشار الأعلى لشؤون التوازن العالمي.

نجمة فيلم كوميدي صامت

دعوني الآن أخبركم عن "فخامة" عثراتي:

• مرّة كنت أركض للّحاق بصديقة فتعثّرت بحافة الرصيف. بدَوتُ وكأنني أؤدّي رقصة معاصرة، أحد المارة ضحك حتى دمعت عيناه، وأنا دمعت ركبتاي.

• في مناسبة عائلية، حاولت أن أظهر بأناقة بفستان طويل، والنتيجة: علقتُ بكعب الفستان وسقطت أمام الضيوف في مشهد جعل عمّتي تقول: "كان ينبغي أن نُحضرك من السيرك لا من الجامعة!".

• أما سقطة الهاتف المحمول من يدي، فهي حدث يومي. يبدو أنّ الأجهزة تتعلّم من أصحابها عادة "الانزلاق المفاجئ"!.

• وفي حفلة مع الأصدقاء، تحمّست للرقص. ووسط الحماس، قرّرت قدماي مخاصمة الأرض. وقعتُ كما تسقط الزبدة على السندويش، وجهها الدّهني دائمًا إلى الأسفل! ضحكتُ كثيرًا، بينما أنا أفكّر في كيفية جمع شظايا كرامتي عن البلاط.

• حتى في المطبخ لم أسلم! مرّة انزلقت على بقعة ماء صغيرة، فسقطت بطريقة جعلت الملعقة تطير في الهواء كأنها صاروخ تجريبي، وتهبط في القدر بدقة عسكرية.

لقد صرتُ أخشى أن تكون حياتي كلّها بروفات لسقطة أسطورية لم تأتِ بعد.

الضحك والوجع

حين أرى الآخرين يضحكون بعد سقطة، أحاول مشاركتهم، لكنّ الضحكة تخرج منّي مشوّهة، كأنها تتعثّر بدورها. ربما لأنني أرى خلف المشهد الكرامة الممزقة، الألم الذي سيظهر لاحقًا في صورة كدمة بنفسجية، والإحراج الذي لا يعالجه إلّا النسيان.

هل أنا رقيقة القلب؟ أم فقط متعاطفة أكثر ممّا ينبغي؟ لا أدري. لكنني أعلم أنني - لو كنت في لجنة التحكيم في برنامج "أفضل سقوط كوميدي" - فسأمنح الجائزة دومًا لمن استطاع أن ينهض ويبتسم رغم الألم، لا لِمَن أضحك الناس أكثر.

براءة التعثر بلا بروتوكول

لستُ وحدي في هذا "النادي" المزدحم. حتى القطط التي يتفاخر الجميع بقدرتها الأسطورية على الهبوط واقفة، لها لحظات من السقوط التاريخي. أحد الهررة التي تستوطن حديقة بيتنا الخلفيّة مثلًا، يقضي نصف يومه يقفز بين الصناديق مثل "أكروباتيّ" محترف. ثم يقرّر في لحظة مصيريّة القفز على رفّ بيت الحمام المهجور والمكسّر، والنتيجة: سقوط حرّ يليق بمظليّ بلا مظلّة. الفرق، أنّ الجمهور في الحديقة ليس من البشر فقط، بل من القطط الأخرى التي تنظر إليه وكأنها تقول: "يا للعار!".

أما الكلاب، فقصّتها أبسط. يكفي أن يحاول أحدها مطاردة ذيله حتى ينقلب المشهد إلى دوّامة من التعثّر. وكأنّ هذا الكائن لا يعرف أن "جهاز الدَّوران" ليس لعبة.

والأجمل أنّ الحيوانات لا تشعر بالحرج، لا قط يخفي وجهه بين يدَيه وبعد سقطة، ولا كلب يبرر فشله بالرياح. ليتنا نملك شجاعتها في المصالحة مع الأرض والجاذبية، وربما مع السجادة الحمراء التي تُسجّل كلّ لحظة بفضول.


قوانين فيزيائية للسقوط والكرامة

بعد كلّ هذه التجارب، صرت أؤمن أنّ للجاذبية قوانين غير مكتوبة، قوانين لا يعرفها نيوتن، لكنها تتحكّم بمصير كلّ سقوط إنساني.

1. قانون المراقبة الجماعيّة:

احتمال السقوط يزداد بالتوازي مع عدد العيون التي تنظر إليك. فإذا كنتَ وحدك، ستسير فوق قشر الموز بسلام. أما إن كنتَ في حفل خطوبة أو اجتماع عمل، فستسقط حتى لو كانت الأرض مفروشة بالقطن.


2. قانون الزبدة والسندويش:

الإنسان، مثل قطعة "التوست بالزبدة"، يسقط دائمًا على الجهة التي تضمن أكبر قدر من الإحراج. إذا كنت تحمل حقيبة أوراق مهمة، فستسقط عليها. إذا كنت ترتدين ثوبًا أبيض، فستنتظرك بقعة طين في الزاوية.


3. قانون الهاتف الذكي:

سقوط الهاتف يحدث دومًا على الشاشة لا على الغطاء الخلفي. وكأنّ الأجهزة تتآمر مع الجاذبية لتعطيك فاتورة جديدة.


4. قانون التصوير غير العادل:

كلّ سقطة لا بد أن تكون هناك كاميرا تلتقطها من أسوأ زاوية ممكنة، وتحوّلها إلى "ميم" خالد على الإنترنت. بينما إن وقفت بعدها ببطولة، فلن يلاحظ أحد ذلك.


5. قانون الضحكة المعدية:

كلّما كان السقوط مؤلمًا أكثر، كان الضحك من حولك أعلى وأطول. وكأنّ الألم وقود السعادة الجماعية.


6. قانون الفارق الزمني:

إدراكك ما حدث يتأخر دائمًا نصف ثانية عن جسدك. تسقط أولًا، ثم تقول: "آه… لقد وقعت!"، وكأن دماغك يحاول التنصُّل من المسؤولية.


7. قانون الكرامة القابلة للكسر:

العظام قد تلتئم، لكن الكرامة تحتاج وقتًا أطول بكثير.

بين الجاذبية والكرامة

في النهاية، يبقى التعثّر جزءًا أصيلًا من التجربة البشرية. سنسقط جميعًا يومًا ما، بعضنا أمام الملايين وبعضنا في صمتِ بيته. سيضحك البعض، سيتألم البعض الآخر، وسيبقى السؤال هل السقوط هو مأساة صغيرة أم درس في التواضع؟

ربما الأجمل أن نعتبر كلّ سقطة فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع الأرض، لا مجرّد لحظة فقدان توازن. فالسقوط لا يلغي الوقوف، بل يذكّرنا بأننا لم نُخلق لنحلّق بعيدًا من التراب كثيرًا.

سيضحك العالم، وستتألم الرُّكب، لكن الجاذبية ستظلّ أكثر مخلوق ملتزم بدوامه الكامل منذ بداية البشرية.