"خلّيني خبرك ليه…"، عرض مسرحيّ يجمع بين الكوميديا والنقد الاجتماعيّ في قالب ساخر، تستضيفه خشبة "مسرح بيريت" في "جامعة القديس يوسف" (حرم IESAV - طريق الشام) منذ 4 شباط الجاري. المسرحيّة كتبتها فيفيان بلعط، بالتعاون مع برونو جعارة الذي تولّى إخراجها، يعكس مضمونها العلاقات الإنسانيّة والعائليّة، وتتناول تفاصيل حياتيّة ومشكلات زوجيّة بروح خفيفة لا تخلو من الرسائل.
ينقل إذًا فريق مسرحيّة "خلّيني خبرك ليه..." مشهديّة من حياة زوجَين، يُطلّ فيها كلّ من الممثلين فيفيان بلعط، غريتا عون، بولين حداد، علي منيمنة، وضياء منصور، تحت إدارة المخرج برونو جعارة ذي الباع الطويل في إدارة هذا النمط من الأعمال المسرحيّة المضحكة.
تجربة تراكميّة
في هذا الإطار، يقول جعارة، لـ "نداء الوطن": "تجربتي الإخراجية، تراكميّة بكلّ معنى الكلمة. فالإخراج لا يولد من عمل واحد، بل بعد مسار طويل من الخبرات المتنوّعة. عملت في مسرح الأطفال، كما قدّمت أعمالًا كوميدية ودرامية ونفسية وبوليسية وعبثية. وهذه التجارب لا تختفي، بل وظفتُها في هذه المسرحية كما في كلّ مشروع جديد. فكلّ عمل هو خلاصة لما سبقه".
ويضيف جعارة أن ما جذبه تحديدًا إلى نصّ هذه المسرحيّة، "إيقاعه السّريع وروحه الكوميدية القائمة على المفاجأة. هناك حركة متدفقة وأحداث غير متوقعة تُبقي المشاهد في حالة ترقب دائم، وقد أحببت هذه الديناميّة التي تجعل العرض يتوالى كأنه سلسلة مفاجآت متتابعة، فتولّد ضحكًا عفويًّا وتفاعلًا مباشرًا مع الجمهور".
علاقة برونو جعارة بنصّ مسرحيّة "خلّيني خبرك ليه..." بدأت منذ القراءة الأولى. "حين قرأته تخيّلته بصريًّا كما يفعل أي قارئ مع رواية" يقول جعارة، مضيفًا: "ثم نقّبت في مضمونه فاستخرجت الشخصيّات منه كما تُستخرج المنحوتة من الصخر. النصّ بالنسبة إليّ مادة خام، ومن خلال العمل عليه تتمايز الشخصيّات وتكتسب خصوصيّتها، فلا تشبه إحداها الأخرى".
نصّ المسرحيّة مستوحى من عمل فرنسيّ، لكن فيفيان بلعط أعادت صياغته بما يتلاءم مع البيئة اللبنانية، فصار مختلفًا في بنيته وتفاصيله، بحسب جعارة، الذي أشار إلى أن خبرتها كممثلة وخرّيجة مسرح، أغنت العمل كثيرًا وأضافت إليه مشاهد وأفكارًا جديدة غيّرت مساره بوضوح. علمًا أن النقاشات بين جعارة وبلعط كانت مكثفة بينهما، "وشاركتُ بدَوري في بعض جوانب الكتابة، وهذا التفاعل كان صحيًّا ومثمرًا لمصلحة العرض"، كما يقول جعارة.
روح تشاركيّة
نسأل المخرج برونو جعارة عن فريق الممثلين، وطبيعة عمله معهم، فيجيب: "تعاملت مع فريق العمل بروح تشاركية، إذ أؤمن أن المخرج ينبغي أن يصغي إلى الممثلين، لأن التبادل الإبداعيّ يثري النتيجة النهائية. صحيح أن الرؤية العامة للعمل المسرحيّ تقع على عاتقي، لكن اقتراحات الممثلين تضيف أبعادًا جديدة للشخصيّات. غير أن الأهمّ هو تحقيق التناغم والاقتناع الكامل بكلّ تفصيل، لأن ذلك ينعكس مباشرة على صدقية الأداء".
وفي ما يتعلّق برسالة العمل، يقول: "لسنا بصدد تقديم مسرح وعظيّ أو تعليميّ. المسرحيّة تحمل طبقات متعدّدة؛ يمكن للمُشاهد أن يكتفي بمتعة الضحك، كما يمكنه أن يتعمّق في أبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة. أؤمن أن كلّ متفرّج يأخذ من العمل ما يناسبه. هدفي الأول أن يخرج الجمهور وهو يشعر بالفرح، وقد نسيَ همومه لبعض الوقت، لكن من الطبيعي أن ترافقه أيضًا فكرة أو سؤال يستمرّ معه بعد انتهاء العرض".
نصّ واقعيّ
تشير الممثلة غريتا عون إلى أن أوّل ما جذبها إلى مسرحيّة "خلّيني خبرك ليه..." هو النصّ بحدّ ذاته، فضلًا عن "اشتياقي للعودة إلى الكوميديا بعد فترة من الابتعاد عنها. النصّ مكتوب ومُلبنن بطريقة متقنة وجذابة، وقد ضحكت كثيرًا أثناء قراءته، ما زاد حماستي للمشاركة فيه".
وتضيف عون لـ "نداء الوطن": "تدور أحداث المسرحية حول "لوريس" (في دورها فيفيان بلعط)، وهي متطوّعة في جمعيّة خيريّة تدخل صدفة إلى منزل أنيس (يؤدي الدور علي منيمنة)، فتتورّط في محاولة إنقاذ زواجه بعد أن هدّدته عشيقته بفضح علاقته أمام زوجته. من هنا تبدأ سلسلة من المواقف التي تضع الشخصيات أمام اختبارات صعبة، وسيُتابع الجمهور ما إذا كانت ستنجح في إنقاذ الوضع أم ستزيد الأمور تعقيدًا".
تعتبر عون أن "النصّ يعكس واقعنا الاجتماعيّ بشكل واضح، لأن الكوميديا لا تنجح ما لم يشعر الجمهور أنها تشبهه وتمسّه مباشرة. فالعمل يتناول قضايا مثل الخيانة الزوجيّة، وصورة الجمعيّات الخيريّة، وبعض النماذج البشرية كالرجل المخادع الذي يتظاهر بالبراءة، والمرأة العشيقة التي تنخرط في علاقة لأسباب متعدّدة. كل هذه العناصر مستمدَّة من المجتمع، لكنها تُقدَّم في قالب ساخر وخفيف. ومن يتأمّل العمل بعمق فسيكتشف أنه يحمل رسائل إنسانيّة واضحة، أبرزها أهمية العائلة وصراع الخير والشرّ".
جرأة بلا ابتذال
وعن الشخصيّة التي تؤدّيها غريتا عون في العرض المسرحيّ تقول: "أجسّد دور "مارو"، زوجة "أنيس". هي امرأة تملك صالة عرض، مستقرّة ماديًّا، وتشكّل الداعم الأساسي لزوجها. شخصيّتها محبّة، لكنها واعية تمامًا لطبيعة زوجها وألاعيبه، وعندما تصل الأمور إلى حدّ معيّن لا تستطيع الاستمرار في الصّمت. هذه القوّة تمنحها نوعًا من السُّلطة داخل العلاقة، من دون أن تفقد أنوثتها أو عفويّتها".
في المسرحيّة بعض الجرأة في الحوار والمشاهد، نسأل عون عنها فتقول: "الجرأة قُدّمت بأسلوب راقٍ بعيد من الابتذال. "مارو" شخصية متنوّعة، تمرّ بحالات نفسيّة مختلفة وتتنقل بين نبرات أدائيّة متعدّدة، ما يمنحها نكهة خاصة. لكنني لا أشعر أن الشخصية تشبهني، لأننا في إطار "الفودفيل"، حيث المواقف مبالغ فيها ومبنيّة على سرعة الإيقاع والكوميديا، حتى وإن كانت القضايا المطروحة نابعة من الواقع".
ضحك متواصل
فوجئت الممثلة غريتا عون بحجم تفاعل الجمهور خلال العروض التي قُدِّمت حتى الآن من المسرحيّة، على ما تقول في حديثها معنا، فقد كان حاضرًا بكلّ طاقته، والضحك لم يتوقف طوال العرض تقريبًا. "شعرتُ أن الناس نسوا همومهم لساعة وربع. بطبيعة الحال، يختلف التفاعل من جمهور إلى آخر، لكن الانطباع الأوّل كان مشجّعًا جدًّا" تقول عون التي تضيف: "أنا سعيدة بالعمل مع فريق يملك خبرة واسعة في المسرح، لأن هذا النوع المسرحيّ تحديدًا يرتكز على أداء الممثل بالدرجة الأولى، إضافة إلى إدارة المخرج برونو جعارة الذي يملك خبرة كبيرة في هذا المجال".
تشير عون إلى أن "المسرح ليس كمثله شيء، ففترة التمارين الطويلة تتيح للممثل أن يندمج بالشخصية ويصقل تفاصيلها، وهو أمر لا يتوفر دائمًا في التلفزيون أو السينما بسبب ضيق الوقت. كذلك فاللقاء المباشر مع الجمهور يمنح شعورًا متكاملًا من بداية العرض حتى نهايته، من دون انقطاع، وهذا التفاعل الحيّ يخلق طاقة خاصة لا يمكن مقارنتها بأي وسيط آخر".
فن ورسائل
المسؤول الإعلاميّ في مسرحية "خلّيني خبرك ليه..." روي أبو زيد يلفت ردًّا على سؤال لـ "نداء الوطن" إلى أن "ما يميّز نص فيفيان بلعط في هذا العمل عن أعمالها السابقة هو النضج في البناء والأداء، ووجود ممثلين لكلّ منهم خبرته وحضوره القويّ على الخشبة يجمعهم عمل واحد".
ويشير أبو زيد إلى أن ضحكات الجمهور لا تأتي نتيجة مواقف هزليّة سطحيّة، بل نتيجة تصاعد دراميّ مدروس. "هناك تدرّج في الإيقاع، بحيث يسير المُشاهد خطوة خطوة مع الشخصيّات حتى بلوغ ذروة الكوميديا، وهذا النوع من البناء صعب".
وعن دور وسائل التواصل الاجتماعيّ في الوصول إلى الجمهور يقول: "نعمل بشكل مكثف على منصّات التواصل الاجتماعيّ، لبلوغ أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، والتفاعل مشجّع جدًا ويظهر في الحجوزات".
إيقاع ولغة
يبقى أن رغم ما تحمله المسرحية من طاقة كوميديّة واضحة وتفاعل ملحوظ من الجمهور، إلّا أن بعض مشاهد العرض بدا أطول ممّا يلزم، ما انعكس على إيقاع العرض في لحظات محدّدة. كما أن الأسلوب الإخراجيّ في بعض مفاصله، استعاد ملامح تقليديّة قد تلقى قبولًا لدى شريحة من الجمهور، لكنها ربّما لا تواكب بالكامل ذائقة الجيل الشاب المعتاد إيقاعًا أسرع ولغة مسرحية أكثر حداثة. مع ذلك، تبقى "خلّيني خبرك ليه..." محاولة جادّة لتقديم كوميديا اجتماعيّة تحمل رسائل إنسانيّة واضحة، وتراهن على استمرار الحضور الحيّ للمسرح.
واقع ومشاريع يتساءل المخرج برونو جعارة عن سبب إقفال المسارح الكبرى وتراجع عدد الصالات الفاعلة، فيرى أن المشكلة ليست في الإنتاج وحده، بل في تراجع التربية الفنيّة. ويطالب بإعادة ربط الأجيال الجديدة بالمسرح والسينما والمتاحف والمعارض، لأن الفنون ليست ترفًا بل حاجة. جعارة يعمل حاليًا على مشروع مسرحيّ جديد يتمحور حول ثلاث شخصيّات نسائيّة في إطار اجتماعيّ. الممثلة غريتا عون ترى من جهتها نهضة مسرحيّة قائمة، لكنها تعتمد بشكل أساسي على محبّي المسرح أنفسهم، وبالتالي لا تكفي لجعل العروض طويلة الأمد. وتشارك عون دعوة جعارة إلى تنمية حبّ المسرح لدى الأجيال الجديدة منذ الصغر، كما تلفت إلى ضرورة الدّعم الرسميّ لتخفيف الأعباء الإنتاجية وخفض أسعار البطاقات حتى يصبح المسرح في متناول الجميع. عن جديدها، تقول عون إنها مرّت بفترة ضغط كبير، لكنها عادت حاليًا لاستقبال مشاريع جديدة. كما ستُعرض لها قريبًا حلقتان من "عاطل عن الحرية" عبر "mtv".
المخرج برونو جعارة
الممثلة غريتا عون |

