صدر عن "دار سائر المشرق" بالتعاون مع "منشورات الرائي المستنير – نيويورك" كتاب "يسوع الأسيني" للمؤلِّف دريد عوده، وهو كتاب لاهوتي وتأمّلي يتناول حياة المسيح غير المعروفة من سن الثانية عشرة، وهي المرّة الأخيرة التي شوهد فيها الطفل يسوع "جالسًا فِي الهيكل وَسْط المُعلِّمين، يسمعهم ويسألهم، وكلُّ الّذين سمِعوه بُهِتوا مِن فَهْمه وأجوبته" (لوقا 2 : 46-47)، حتى ظهوره أخيرًا في سنّ الثلاثين، للتعمّد في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان.
يتأمّل الكاتب في تفاصيل حياة يسوع الخفيّة في أديرة الأسينيين، متدرِّجًا في منازل عِلم الأسرار الروحية الثلاثة لديهم: "ابن المرأة"، "ابن الإنسان"، و"ابن الله"؛ بدايةً في "دير عين الحمل أو الجدي" الذي أخذ اسمه، والمعروف أيضًا بـ "ينبوع الطفل" على ضفاف البحر الميت، ثم في "معبد جبل الكرمل" الذي حمل اسم السيدة العذراء في ما بعد، وأخيرًا في "الدير السرّي" تحت "جبل الرؤى" – جبل الطور (طابور).
"اِقبَلِ الطفل وأمّه..."، كلماتٌ ثلاث هزَّت أعماق الكاهن الأكبر للإخوّة الأسينيين في واحة "عين الجدي" المعروفة بـ "ينبوع الطفل" قرب البحر الميت في فلسطين. على وقعها، الذي نزل على "البعيد" كما يُسَمّيه أبناء تلك الأخوّة، لأنّه، وهو بينهم، يبقى منخطِفًا إلى عالمٍ آخر غير هذا العالم، استفاق الكاهن الأكبر من نومه ليغوص في يقظة الأسرار العميقة التي يحملها في سرّه.
ثلاث كلماتٍ من نور أيقظت نوره الداخلي، وألقت في عينَيه شعاع الأمل؛ مثلما تلقي الشمس آمالًا جديدة في مقلتَي الليل، فيفتح أجفانه وينقلب نهارًا. صحا من نومه العميق، ليغوص في اليقظة الأعمق والحلم الأجمل...
من أسمائه، "القديم". لذا كان يخاف أن يموت قبل أن ينقل شعلة الأسرار المقدَّسة إلى وريثه بالروح. فهل يكون الطفل ذاك الوريث؟ ومن يكون الطفل؟ ومن تكون أمّه؟
لقد سمع الكاهن الأكبر عن ولادة طفل من ملوك المجوس. مرّوا به في طريقهم إلى مكان ولادته في بيت لحم، ثم في طريق عودتهم. هم يرتبطون بالأسينيين بصِلة "الرابطة المقدَّسة": هم أتباع زرادشت، حامل الشعلة المقدَّسة. وقد حدَّثهم كاهن أهورا مازدا عن إشارات ظهور الـ "ساوْشَيِنْت"، المخلِّص باللغة الفارسيّة. ومعلِّم الأسينيين يحمل الشعلة نفسها.
الشعلة المقدَّسة متّقدة في جذوة أعماقه كما هي منذ الأزل. لكنّها انطفأت في ضمير الكهنة وفي قلوب الناس، وخمدت في الهياكل والمعابد في مشارق الأرض ومغاربها. بات الكاهن الأسيني نفسه الوجدان، القلب والهيكل الذي يحملها. بيدَ أنّها تحتاج الآن إلى روحٍ جديدة، روحٍ إلهية، لتُعيد إليها ألقها. فهل يكون الطفل تلك الروح؟
عندما جاءه ملوك المجوس يومذاك، عرف سرّهم. فكما رأوا هم الإشارات، رآها هو أيضًا. ونجمة عشتار التي قادت بصيرتهم، وهم يحملون هدايا الأرض وأضاحيها إلى طفل السماء، قادت روحه أيضًا إليه. بيدَ أنّه لم يذهب معهم، لأنّه يَعلَم في سرّه أنَّ ابن الإنسان سيأتي هو إلى البشر. وحين عادوا، والفرحةُ تغمر قلوبهم، عرف سرّهم أيضًا: حملوا إليه هدية السماء، وأضحيتها، فغرقت عيناه بدموع الفرح والحزن.
منذ ذلك الحين، وطوال اثنتَي عشرة سنة، حاول الكاهن الأكبر نسيان الأمر. وحاول طمس الخبر... وأيُّ خبر! الطفل منذورٌ للموت قبل أن يولد الولادة الأولى.
كيف يمكن أن يُنحَر النور؟! كيف للنور السماوي أن يغرق في الدم؟! آلمَه هذا. وكم تمنّى ألّا يكون طفلُ السماء المنذور الطفلَ الذي سيستقبله.
أخفى المعلِّم الأسيني ذاك السرَّ في صدره كجمرةٍ حارقة. لم يُرِد أن يُعكِّر صفاء حياة إخوته الرهبان الأسينيين. كانت أرواحهم تتفتّح في سكينة واحة "ينبوع الطفل" على رجاء مجيء المسيح؛ مجيئه بالفرح، لا بالدموع. بالحياة، لا بالموت.
كانوا مُنغمِسين بأرواحهم في هدأة الواحة الخلّابة بعيدًا من ضجيج الهياكل وانغماس الكهنة في أمور الحياة الدنيا وشهوة السلطان.
الطبيعة الأمّ هيكل روحهم القدّوس. والحقول، التي يزرعونها بالقمح والعنب والزيتون، هيكلهم الأقدس. من العنب يملأون كؤوس قلوبهم بانتظار العنقود الذي سيملأها بالخمرة المقدَّسة. ومن السنابل يقطفون غذاء أجسادهم بانتظار سنبلة الفجر التي ستُغدِق عليهم، وعلى جميع البشر، خبز السماء وقوت الروح. ومن الزيتون يعصرون الزيت بانتظار الزيتونة المُبارَكة التي ستُشعِل بزيتها سُرُج قلوبهم. كانت أرواحهم غارقة في نشوة المجيء الكبير، بل في نشوة الحضور. لذا لم يدركوا أنَّ الزيتونة ستُقطَع؛ قد وُضِع فأس الموت والظلمة على جذع شجرة النور، شجرة الحياة. لم يدركوا أنَّ قلب الدالية سيملأ الكؤوس من الطعنة القاتلة. لم يدركوا أنَّ السنبلة ستُقصَف وستُحرَق في التنّور.
أمّا معلِّمهم فلم يشأ أن يُعكِّر صفاء أرواحهم. حجبَ عنهم السرّ، راجيًا السماء أن تكون هديتُها نسمةً عابرة، وأن يكون غيثُها غيمةَ صيف. لكنْ ها الرؤيا التي جاءته في تلك الليلة تقول: "لا! الغيث سينزل، لكنْ من كبد السماء المشبوقة. والنور سيُسفَك تحت سِياط الظلمة، وآلهة البرق ينظرون ولن يرفَّ لهم جفن".
... ما إن طلع الصبح حتى نزل الكاهن الأكبر من صومعته. كانت أمارات الفرح والسلام باديةً على مُحَيّاه. لاحظ أبناء الرعيّة تغيُّر ملامحه؛ كأنَّ الروح القُدُس حَلَّ فيه. قال لهم، وقد رأى بالروح طيفًا في الأفق: "اِقبَلوا الطفل وأمّه...". هتف بهذا وصمت.
نظر القوم في كلّ اتّجاه. لم يروا شيئًا. ظنّوا أنَّ المعلِّم يهذي. مرّت لحظاتٌ بطيئة، محيِّرة وثقيلة؛ أثقلها أكثر الصمت الذي ساد القوم، وعيونُهم، شاخصةً، تُقَلِّب الأفق علّها تعثر على "الزوّار". تأكّد الأمر للرهبان: الكاهن الأكبر ليس على ما يُرام... لكنْ سرعان ما خاب ظنّهم.
ها امرأةٌ تظهر في الأفق، مسرِعةَ الخطى نحو الدير ولا تلوي على شيء. بدت عارفةً مقصدَها جيِّدًا! عجِب الرهبان لهذا، إذ إنَّ الدير ليس مفتوحًا للناس البتّة.
رأوها تُمسِك بيد فتى بقوّةٍ ممزوجةٍ باللطف؛ كمن يقبض على جوهرةٍ مخافة أن تضيع، لكنْ بلطف لِئَلّا تُخدَش.
قال المعلِّم قبل أن يصل الضيفان: "سيحلّ الطفل بيننا تلميذًا جديدًا".
ردَّ أحد الرهبان، متسائلًا: "لكنّه ولدٌ يافع، وليس طفلًا!".
كرَّر الكاهن الأكبر: "سيحلّ الطفل بيننا تلميذًا جديدًا...".
ثم تابع، مخاطبًا رهبان الدَّير هكذا: "سأتولّى رعايته بنفسي، لأنّه سيكون وحيدًا من دون أبٍ وأمّ فأُعوِّض له حبّهما".
دُهِش الرهبان كثيرًا؛ فالولد يأتي إلى الدَّير للمرّة الأولى. لم يسبق لأيّ منهم، ولا لمعلِّمهم، أن عرفوا به أو عنه.
تابع رئيسهم، قائلًا: "لن يأتي والداه لزيارته البتّة: لن يكون له أب، فيتعلّم الحبَّ الإلهي؛ محبّة الآب لبني البشر. ولن تكون أمّه معه، فيتعلّم محبّة المرأة؛ حبّ الطبيعة الأم". بنبرةٍ حازمة، قاطعة، قال الكاهن الأكبر هذا. كانت حكمة الدهور تفيض من فيه وقلبه، كاشفةً مكنونات روحه.
وكان مريدٌ آخر، نبيٌّ ومعلِّمٌ كبيرٌ قادم، هو يوحنّا المعمدان يتدرَّج في عِلم الأسرار على أيدي الرهبان الأسينيين، ظنًّا منهم أنّه هو المسيح المنتظَر والمخلِّص. وما إن وصل يسوع مع أمّه حتى كان الفتى يوحنّا يهمّ مغادرًا الدَّير، فتلاقت نظرات الصَّبيّين. نظر عمّانوئيل إليه بعينَين وديعتَين، خجولتَين، خائفتَين. وبادله يوحنّا، الذي يكبره بستّة أشهر، بنظرةٍ مِلؤها الرِّفق والمحبّة. ثم نظر الولد اليتيم إلى مريم مليًّا ودمعت عيناه. شعر برابطةٍ قويّة تجاهها كأنّها أمّه الثانية. عرفها في سرّه، وفي أسرار الرؤيا نظرها. أَوَلَمْ يرتكِض ابتهاجًا في بطن أمّه إليصابات يوم زارتها تلك المرأة الجليلة والجميلة؟! قفز الجنين على وقع السلام المريمي.
وفيما انشغل الرهبان باستقبال مريم وابنها، توارى الكاهن الأكبر عن الأنظار.
استراحت الأم وولدها قليلًا بعد السفر، وقد زاد خوفُها عليه تلك الرحلةَ عناءً ومشقّة.
أخيرًا، هدأ بالها واستعادت سلامها الداخلي في ذاك الدير الغارق في أحضان طبيعة "عين الجدي" الهادئة. كأنَّ الزمن نسي تلك الواحة الجميلة النَّضِرة، بل كأنَّ الزمن يأتي إليها ليرتاح في سكينة النسيان الجميل.
هنا لن تخاف على طفلها السماوي الذي يتربَّص به أولاد الشيطان وأتباعه: هنا، في ربوع "ينبوع الطفل" سيتفجّر ينبوع الحياة.
