ايلي الياس

من تعطيل مليارات الجيش إلى استجداء السعودية: مفارقات "حزب الله"

4 دقائق للقراءة

"حزب اللّه" الذي عطّل ثلاثة مليارات لدعم الجيش كي تبقى الدولة رهينة سلاحه، يطلّ اليوم بخطاب يطلب فيه من السعودية فتح صفحة جديدة… أي سخرية أكبر من ذلك؟


عام 2014، قدّمت السعودية أكبر هبة في تاريخ لبنان: ثلاثة مليارات دولار لتسليح الجيش عبر فرنسا، ومليار دولار لقوى الأمن الداخلي. كانت تلك لحظة مفصليّة يمكن أن تغيّر مسار الدولة اللبنانية لو قُدّر لها أن تنجح، إذ كان من شأنها أن تمنح الجيش القوّة اللازمة ليصبح المرجعية الأمنية الوحيدة، ويكسر حلقة الارتهان المزمنة لميزان القوى غير الشرعي. لكن المشروع وُئد قبل أن يبصر النور، لأن وجود ميليشيا مسلّحة خارج الدولة لا يقبل شريكًا، ولأنّ جيشًا قويًّا يعني ببساطة نهاية وظيفة "حزب اللّه".


السعودية حينها وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من العرض، لم تلغِ الهبة عبثًا، بل بعدما تبيّن أن القرار اللبناني الرسميّ لم يعد يمثل لبنان، بل صار أسيرًا للنفوذ الإيراني عبر "حزب اللّه". الرياض رأت أن أيّ سلاح يُعطى للجيش قد يجد طريقه إلى الميليشيا، أو يُستخدم لتغطية سرديتها التي تضع نفسها فوق الدولة. ولهذا السبب بالذات، لم يعد تسليح الجيش خيارًا ممكنًا، فالهبة سقطت، ومعها سقطت فرصة تاريخية لتقوية الدولة.


المعادلة التي نتجت عن ذلك واضحة: "حزب اللّه" أقوى، والدولة أضعف. خسرت المؤسسة العسكرية فرصة أن تتحوّل إلى العمود الفقري للسيادة، فيما عزّز "الحزب" روايته بأنه "الحامي الوحيد". هذه النتيجة لم تكن مجرّد ارتدادات مالية، بل ضربت في العمق فكرة الدولة نفسها. فمنذ تدخله العسكري في سوريا عام 2012 إلى جانب نظام الأسد، ثم مشاركته في الحرب اليمنية والعراقية، أصبح "الحزب" متورّطًا مباشرة في صراعات إقليمية تتجاوز حدود لبنان. ولهذا السبب تحديدًا، صنّفت دول مجلس التعاون الخليجي، في آذار 2016، "حزب اللّه" منظمة إرهابية، بسبب "الأعمال العدائية والإرهابية والتحريضية" في المنطقة.


النتائج على لبنان كانت مدمّرة. الدولة خسرت دعمها العربي الطبيعي، والاقتصاد فقد استثمارات وودائع خليجية ضخمة. الميليشيا هيمنت على القرار، والدولة لم تعد قادرة على الدفاع عن مصالحها. وفي الداخل، تحالف "حزب اللّه" مع رموز الفساد، وعلى رأسهم ميشال عون وفريقه، الذين وفّروا له غطاءً سياسيًا مقابل صفقات وتقاسم مصالح، فكانوا جزءًا من المنظومة التي دمّرت ما تبقى من ثقة عربية بلبنان. العلاقة بين عون و "الحزب" لم تكن مجرّد تحالف سياسي، بل شراكة في تعطيل الدولة، وتقديم الولاء للخارج على حساب المصلحة الوطنية.


الهبة السعودية، التي أُسقطت، باتت المثال الأوضح على كيف يُفشل وجود "حزب اللّه" أي مشروع لبناء دولة قوية. كانت ستعزز الجيش وتمنحه فرصة أن يكون الحامي الفعلي للبنان، لكن "الحزب" أراد أن يبقى الجيش ضعيفًا ليبرّر وجوده.


أمّا اليوم، ومع تغيّر المعادلات بعد "7 أكتوبر"، يتأكد أن "الحزب" الذي خاض حروبًا متتالية لم تجلب للبنان إلّا الدمار، لم يعد كما كان. جبهته الجنوبية استنزفت، قدراته العسكرية تتآكل، وحكايته عن "الردع" تتهاوى. وفي لحظة كهذه، جاءت تصريحات نعيم قاسم الداعية إلى "فتح صفحة جديدة مع السعودية"، لكنها قوبلت بتجاهل كامل من الرياض. الرسالة كانت صريحة: المملكة لا تخاطب ميليشيا ولا تتحاور مع تنظيم مسلح، بل مع دولة ذات سيادة فقط.


وهكذا، من الهبة السعودية إلى تجاهل خطاب "حزب اللّه"، ومن ورائه الجمهورية الإسلامية، يبقى الدرس واحدًا: لا دولة مع جيشين، ولا جيش مع ميليشيا. وما لم يُحصر السلاح بيد الدولة، سيبقى لبنان بلا جيش قوي، وبلا دولة حقيقية، أسير مشروع إيراني لا يجلب له إلّا المزيد من العزلة والانهيار.