القاضي أنطوان الناشف

لجان التحقيق النيابية في لبنان بين الواقع والقانون

5 دقائق للقراءة

للمجلس النيابي الحق في تشكيل لجان التحقيق وخاصة إذا كان هناك تشكيك في صحة المعلومات المعطاة من قبل الحكومة ردًا على سؤال مقدم إليها، أو ما كشفت عنه المناقشة العامة في موضوع معين، أو بمناسبة حدوث فضيحة ما في إدارة من إدارات الدولة، أو إحدى وزاراتها أو مؤسساتها، فيقوم بإجراء تحقيق بواسطة بعض أعضائه أو قد يؤلف بشأنه لجنة خاصة تسمى لجنة التحقيق البرلمانية لتبحث في الموضوع الذي تشكلت من أجله بحياد وموضوعية، مستخدمة في ذلك كافة السلطات التي خولها لها الدستور أو النظام الداخلي للمجلس ثم تقدم تقريرها بشأنه، متضمنًا النتيجة التي توصلت إليها اللجنة بعد البحث والتدقيق، ليتخذ البرلمان بدوره قراره الحاسم بشأن الموضوع.

وتنبع أهمية التحقيق البرلماني من كونه وسيلة للرقابة على المرافق العامة وما يعتريها في بعض الأحيان من فساد مالي أو إداري، فهو لا يتم بسبب تقصير أو تجاوز القـانون فحسب، بـل يمكن أن يجري التحقيق البرلماني لتزويد مجلس النواب بالمعلومات التي يحتاجها للوقوف على حقيقة الأمور المالية والإدارية والاقتصادية، وإن حق تقرير إجراء التحقيق من عدمه يعود للسلطة التشريعية وحدها، سواء نص عليه الدستور أم لم ينص وذلك لأن السلطة التشريعية هي الممثل الأساسي لإرادة الشعب فلها الحق في تشكيل لجان تحقيقية في المسائل التي تتعلق بالمصلحة العامة، وهذه اللجان تمثل أهم الوسائل الرقابية من أجل الحصول على البيانات والمعلومات، بشرط عدم خروج البرلمان عن حدوده احترامًا لمبدأ الفصل بين السلطات

ثانيًا - إجراءات تشكيل اللجنة وصلاحياتها

لم ينص الدستور اللبناني بشكل صريح على صلاحيات البرلمان في إنشاء لجان تقصي الحقائق إلا أن النظام الداخلي لمجلس النواب قد فصل في هذا الأمر من خلال الفصل الثالث والمعنون بالتحقيق البرلماني

تُنشأ لجان التحقيق البرلمانية بقرار من الهيئة العامة للمجلس، كما يمكن تخويلها أيضًا سُلطات هيئات التحقيق القضائية وفقًا لأحكام القانون رقم 11/72 الصادر في أيلول 1972. وقد أعطى المشرع في المادة 141 من قانون النظام الداخلي لمجلس النواب لهذه اللجان صلاحية الاطلاع "على جميع الأوراق في مختلف دوائر الدولة وأن تطلب تبليغها نسخًا عنها وأنّ تستمع إلى الإفادات".

يُحدد النظام الداخلي لمجلس النواب في مواده من المادة 139 حتى المادة 143 آلية تشكيل هذه اللجان وطريقة عملها لجهة أن لمجلس النواب في هيئته العامة أن يقرر إجراء تحقيق برلماني في موضوع معين بناءً على اقتراح مقدم إليه للمناقشة أو في معرض سؤال أو استجواب في موضوع معين أو مشروع يطرح عليه.

.

تنص المادة 141 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أن للجنة التحقيق أن تطلع على كل الأوراق في مختلف دوائر الدولة وأن تطلب تبليغها نسخًا عنها وأن تستمع إلى الإفادات وتطلب الإيضاحات التي ترى أنها تفيد التحقيق.

ويحق للجان حسب نص المادة 142 أن تعيّن لجنة فرعية من أعضائها لاستقصاء الحقائق في قضية معينة. وفي حال امتناع الإدارة المختصة عن توفير المعلومات المطلوبة إلى اللجنة الفرعية ترفع هذه الأخيرة تقريرًا بالأمر إلى اللجنة التي انتدبتها، التي تقوم بدورها بطلب تعيين لجنة تحقيق برلمانية من الهيئة العامة.

كما يمكن للمجلس وفق المادة 143 أن يولي لجان التحقيق البرلمانية سلطات هيئات التحقيق القضائية على أن يصدر القرار في جلسة للهيئة العامة. يتم التحقيق وتمارس اللجنة صلاحياتها وفقاً لأحكام القانون رقم 11/72 تاريخ 25 أيلول 1972.

ثالثًا - التجارب السابقة للجان التحقيق والمطلوب اليوم تجربة جديدة مختلفة

في العام 1994 خصص مجلس النواب جلسة لمناقشة لجنة التحقيق البرلمانية حول صفقة طائرات البوما الفرنسية. كما عقد جلسة سرية في 16/12/2003 خصصت للتصويت على تشكيل لجنة تحقيق في مضمون العريضتين الاتهاميتين بحق وزير المالية في ذلك الحين في ما يتعلق بملف محرقة برج حمود، ووزير النفط السابق في ملف الرواسب النفطية. وخلصت الجلسة إلى امتناع النواب عن التصويت على تأليف لجنة تحقيق برلمانية في الملف بينما تم تشكيل لجنة في ملف وزير النفط وقضية الرواسب النفطية.

بتاريخ 28 نيسان 2012 كان تقدم ثلاثة نواب باقتراح لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول التجاوزات التي شابت الإنفاق العام منذ مطلع العام 1993 ولغاية آخر العام 2011، وتضمن الاقتراح طلب منح اللجنة بعض صلاحيات قضاة التحقيق بموجب القانون 11/72 تاريخ 25 أيلول 1972.

منح هذا القانون لجنة التحقيق المنتخبة، ووفقًا لأحكام المادة 94 من النظام الداخلي لمجلس النواب، صلاحيات قضاة التحقيق باستثناء إصدار مذكرات التوقيف والاستنابات القضائية وقرارات الظن أو الاتهام أو منع المحاكمة. وكلّ من دعيَ لشهادة أمام لجنة التحقيق البرلمانية، عليه الحضور وأداء الشهادة بعد حلف اليمين. وتطبّق بحق الشهود الذين يُدْعَون أمام لجنة التحقيق البرلمانية النصوص القانونية، لجهة التخلّف عن الحضور أو تقديم العذر الكاذب أو شهادة الزور أو كتم المعلومات وغير ذلك من الأفعال التي تقع تحت طائلة قانون العقوبات. كما تتحرّك دعوى الحق العام بحق الشهود بناء على طلب رئيس لجنة التحقيق البرلمانية، يقدّم بواسطة وزارة العدل مرفقًا بالوثائق المثبتة.

وعند انتهاء لجنة التحقيق من عملها، تضع تقريرًا وتقدّمه إلى مجلس النواب، وفقًا للمادة 92 من النظام الداخلي. بعدها، تصبح القضية في عهدة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وهناك مسار آخر، وأبعاد أخرى.

بتاريخ 23 حزيران 2025 تم تشكيل لجنة تحقيق بشأن مخالفات محددة في تقرير ديوان المحاسبة الصادر في العام 2022 وما تضمنه من تدقيق مالي شامل لأرقام وزارة الاتصالات، علمًا أن مجلس النواب استند إلى هذا التقرير لتشكيل لجنة التحقيق.

ويبقى الأمل قائمًا بان تنهي لجنة التحقيق عملها بتجرد وحياد وموضوعية لكي نكون أمام تجربة جديدة مختلفة عن التجارب السابقة في هذا الشأن.