مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لمقتل حسن نصر الله بغارة إسرائيلية بينما كان مختبئًا على عمق يفوق الأربعين مترًا تحت الأرض، يعود النقاش إلى الواجهة: هل يمكن اعتباره شهيدًا كما يدّعي أنصاره؟ أم أنّ الشهادة في الوعي الشعبي وبالمفهوم التاريخي يرتبط بمَن يموت في مواجهة مباشرة مع طرفٍ آخر يعتبره عدوًا، أو دفاعًا عن قضية عادلة، أو في سبيل حماية شعبه وأرضه. الشهيد هو مَن يواجه الموت بشجاعة، ويضع نفسه في الصفوف الأمامية، ويختار التضحية عن وعي وإرادة.
أما في حالة السيّد نصر الله، فالمشهد كان مُختلفًا تمامًا. فقد قضى نحبه وهو مختبئ في أعماق الأرض، بعيدًا عن ميادين القتال، تاركًا مقاتليه ومناصريه يواجهون الغارات والموت بينما هو مُتحصّن بأكثر المواقع أمنًا. إنّ موت القائد وهو في موقع الاختباء وليس في ساحة المواجهة يطرح علامة استفهام كبيرة على وصفه بالشهيد، بل يجعله أقرب إلى ضحية اغتيال مدبَّر منه إلى مقاتل سقط في معركة.
ثانيًا، المشروع الذي كان يقوده ليس مشروعًا وطنيًا جامعًا. فقد ارتبط حزب الله منذ تأسيسه بمحور إقليمي واضح الأجندة، وأدخل لبنان في حروب وصراعات لم يختَرها الشعب اللبناني ولم تفده بشيء، بل حمّلته أثماناً باهظة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. الشهادة الحقيقية تفترض الدفاع عن مصلحة الأمة والشعب، لا عن أجندة خارجية تُمليها دولة إقليمية، ولا عن سياسات توسّعية تضع لبنان على خط النار بشكل دائم.
ثالثًا، مفارقة الخطاب والممارسة. فمَن كان يخطب على مدى عقود عن التضحية والشجاعة والمواجهة، كان في الواقع يعيش حياة تحت الأرض، مُحاطًا بأقصى درجات الحماية. هذا التناقض ينسف صورة "القائد الشهيد" الذي يموت بين رجاله أو يختار مواجهة مصيره علنًا.
رابعًا، المقارنة مع يحيى السنوار. كثيرون يُشَبِّهون بين مقتل نصر الله ومقتل السنوار، لكن المقارنة تكشف الفارق الكبير في السياق. فالسنوار، رغم اختفائه لفترات طويلة، ظهر في أكثر من مناسبة في قلب غزة، جال بين الناس، وشارك في التخطيط والقيادة على مقربة من خط النار، وسقط حاملاً بندقيته بعد حرب شرسة خاضتها حركته في أرضها وبين شعبها. طبعاً، نختلف بشدّة مع خياراته السياسية ومع محوره الذي دمّر المنطقة، لكن مقتله كان نهاية مسار مواجهة علنيّة، وليس في أقبية محصّنة بعيداً عن أي مواجهة مباشرة. هذه المفارقة تعزز فكرة أنّ مقتل نصر الله لا يرقى إلى مرتبة "الشهادة" كما يفهمها الناس، بل يبقى اغتيالاً لشخص كان يختبئ لحماية نفسه، تاركاً جمهوره يواجه المصير وحده.
إنّ توصيف نصر الله بالشهيد هو خيار سياسي ودعائي وليس توصيفاً منطقياً أو واقعياً. فالمسألة بالنسبة لأنصاره ليست مسألة استحقاق للمكانة بقدر ما هي حاجة للاستمرار في إنتاج الرموز لتغذية مشروعهم. لكن الحقيقة تبقى أنّ الشهادة ليست لقباً يُمنَح، ولا وساماً على صدر مَن اختبئ، بل فعل تضحية وشجاعة في سبيل قضية عادلة، وفعل إيمان بوطن ودولة، فعل يرفع لواء قضية تحمي الإنسان والمجتمع، وهو ما لا ينطبق على طريقة مقتل نصرالله ولا على طبيعة مشروعه الذي سقط، وقد امتد إلى خارج الحدود والمنطق والواقع... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"