من السينما والتلفزيون والمسرح إلى شوارع بلدته دير ميماس الجنوبية، جمع ميشال حوراني ما لديه من مقوّمات الفنان والأستاذ الجامعي وعضو المجلس البلدي، وحوّل ما يتقنه من فنون وتجربة في التواصل مع الآخر، لخدمة بلدته وناسها. تجربة أطلق من خلالها مسارًا تراثيًّا وسياحيًّا بعنوان "دير ميماس مشوار وخبرية" ضمن مهرجانات بلدته لعام 2025، جامعًا من خلالها بين خبرته الفنية والنشاط الإنمائيّ. تزامنًا يواصل حوراني مساره في مجال التمثيل، فيما يستعدّ خلال الأيام المقبلة لتكريم ضمن فعاليّات "أيام لبنان السينمائيّة" في كندا.
إحياء الأزقة القديمة وإبراز هويّة المكان، مبادرة أرادها الممثل ميشال حوراني محطّة تأسيسيّة في عمله البلدي. "كنت أرى دير ميماس دائمًا بلدة نموذجية فيها كلّ المقوّمات، وأؤمن أنها تستحقّ أن تكون على الخارطة السياحيّة والثقافيّة والبيئيّة والدينيّة في لبنان، لكنّ الظروف لم تكن تسمح. فهي منطقة حدوديّة عاشت الاحتلال والاعتداءات المتكرّرة"، يقول حوراني لـ "نداء الوطن". ويضيف: "لطالما تحدّثتُ عن جمالها ومعالمها في مقابلاتي، وعن زيتونها وزيتها الذي حصد جوائز عالمية. واليوم، بعد دخولي المجلس البلدي وإعادة إحياء المهرجانات فيها، وجدت أنّ الوقت حان لترجمة هذه الفكرة على الأرض".
شهرة في خدمة التنمية
شهرة ميشال حوراني عنصر مساعد في جذب الاهتمام الإعلاميّ والسياحيّ للبلدة، يقول حوراني، ويضيف: "أنا هنا لأوظّف هذه الشهرة والعلاقات وأضعها في خدمة المشاريع المحليّة. حتى لو لم أكن عضوًا في المجلس البلديّ، كنت سأقدّم ما أستطيع فعله لدير ميماس".
حوراني يوازن حاليًا بين عمله في التمثيل والتدريس الجامعي وبين متابعة مشاريع البلدة. لديه طاقة كبيرة، ومهامه في البلديّة ليست إدارية ثقيلة، بالتالي يمكنه متابعتها عن بُعد، كما يؤكّد حوراني، مشيرًا إلى أنّ التعليم الجامعي لا يتطلّب منه وقتًا طويلًا في برنامج يوميّاته، على عكس المشاركة في الأعمال التمثيليّة التي تأخذ الحيّز الأكبر من وقته.
نشاطات ولكن...
المسار التراثيّ والسياحيّ "دير ميماس مشوار وخبرية" الذي أطلقة حوراني، لم يخلُ من صعوبات واجهته. يلفت إلى أنّ "التحدّي الأول أمني. فالاعتداءات الإسرائيليّة مستمرّة، وثمّة خوف لدى البعض من التنقّل في منطقة غير مستقرّة. أما التحدّي الثاني فاقتصاديّ، إذ إنّ الواقع الاقتصاديّ في البلدة ضعيف، وموسم الزيتون غاب ثلاث سنوات متتالية بسبب الحرب والنزوح. صحيح أننا لا نملك موارد كافية، لكننا نملك المحبّة بيننا والتضامن داخل المجلس البلديّ، وهو ما ساعدنا على إنجاز المشروع بدعم من الدكتور مخّول حوراني المقيم في الخارج".
معايير اختيار المحطات
عن تفاصيل المسار، يشرح حوراني: "حرصت على أن يكون داخليًّا في شوارع البلدة المرصوفة بالحجارة. وبعد جولاتٍ ميدانيّة، حدّدتُ نقطة الانطلاق، فيما نقطة النهاية كانت محسومة في الساحة الأثريّة للبلدة. ثمّ اخترنا عشر محطات وفق رمزيّة خاصة: الكنائس الخمس، معصرة الزيتون القديمة، البيوت المهجورة ذات الطابع المعماري، والمواقع الاستراتيجية".
يضيف حوراني: "أردت أن يعيش الزائر تجربة متكاملة، كأنها رحلة للحواس، وأن يرى المعالم واللوحات الطبيعيّة، ويسمع الموسيقى اللبنانيّة ويشارك في الدبكة الشعبية، ويشمّ روائح الورود والمأكولات البلديّة، ويتذوّق الكعك ومخبوزات الصاج والمشروبات المحليّة، ويلمس الحجارة والزهر. كما خصّصت ثلاث محطات لعروض بصريّة من أرشيف البلدة، أحيت الذاكرة وأثارت تفاعلًا كبيرًا بين أبناء البلدة وزوّارها".
طفولة وشاشة
لبلدة دير ميماس في مسار حياة الممثل ميشال حوراني محطّة أساسيّة، "في طفولتي بين دير ميماس وجدَيدة مرجعيون، لم أكن أفكّر في التمثيل. كنت متفوِّقًا في المدرسة، وكان متوقَّعًا أن أصير طبيبًا. لكن عندما انتقلت إلى بيروت في سنّ صغيرة، تغيّرت نظرتي للحياة، فاتجهتُ إلى المسرح والإعلام"، يروي حوراني الذي يضيف: "انطلقتُ من الجامعة بفيلم "قديس كفيفان"، ثمّ توالت الأعمال. الفنّ بالنسبة لي فلسفة حياة لا مجرّد مهنة".
يعدّد ميشال حوراني محطات مفصليّة في مشواره أمام الكاميرا وعلى خشبة المسرح، فيذكر مسلسلات "فاميليا" و "بين السما والأرض" و "قلبي دق" الذي انتشر بشكل كبير، ثمّ "متل القمر"، و "التقينا"، و "الهيبة"، و "نظرة حبّ"، وسواها من الأعمال. إضافةً إلى مشاركاته في مسرحيّات مع الرحابنة، والفيلم السينمائي "فلافل" الحائز عدّة جوائز، وصولًا إلى الفيلم العالمي "Valley of Exile" الذي جال على مهرجانات عدة وحصد أكثر من عشر جوائز، وأدّى فيه حوراني دَور البطولة في الجانب اللبناني من الفيلم.
للمسرح والسينما، بالنسبة لحوراني، هالة خاصّة وقيمة تبقى عبر الزمن. فالمسرح يمنح تفاعلًا مباشرًا، والسينما قيمتها الفنّية كبيرة من دون التقليل من أهمية التلفزيون، كما يرى حوراني الذي يؤكّد: "في النهاية، ما يعنيني هو نوعية العمل ومضمونه".
مشاريع مرتقبة ورسالة
في رمضان المقبل، يشارك الممثل ميشال حوراني بمسلسل من حلقات قصصها منفصلة، "إحداها من بطولتي"، إضافةً إلى أعمال أخرى. كذلك يشارك زميلته مها غلبوني في كتابة مسلسل عربي مشترك. وسيحلّ حوراني ضيفًا مكرَّمًا على "أيام لبنان السينمائيّة" في كندا، بين 1 و 5 تشرين الأول 2025، مشيرًا إلى أهميّة هذا المهرجان لأنه يربط الوطن بالاغتراب.
أخيرًا، يرى ميشال حوراني أنّ على الفنان اللبناني أن يكون قدوة، يدعو إلى العدالة وبناء دولة المؤسسات وقبول الآخر، لا إلى إثارة الانقسامات. ويختم برسالة يوجّهها إلى طلاب الفنون: "أدرّس في "كليّة الفنون" في "الجامعة اللبنانيّة"، وأقول للشباب إنّ مهنتنا صعبة وتحتاج إلى مثابرة وإصرار ونَفَس طويل. فمن يبحث عن الشهرة فقط يمكن أن يجدها بسهولة في أماكن أخرى، لكن على من يملك الشغف أن يثبت نفسه ويقدّم مادة فنّية جيّدة للجمهور".



