حين وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى لبنان وسوريا، توم باراك، منطقتنا بأنّها "مجموعة من القرى والقبائل"، لم يكن ذلك زلّة دبلوماسيّة، بل توصيفاً مؤلماً لحقيقة نعيشها منذ 100 عام. قالها في 26 أيلول 2025 بأن "فكرة الدولة الحديثة في الشرق الأوسط هي وهمٌ من اختراع القوى الاستعمارية، أما الحقيقة فهي أنّ الناس هنا يُعرّفون أنفسهم عبر العائلة، القرية، والطائفة، لا عبر مفهوم الوطن."
ورغم الغضب الذي أثارته تصريحاته الفوقية، فهي لا تمحو وجع السؤال: كيف نقنع العالم بوجود دولة، ونحن بالكاد نؤمن بها؟
في لبنان، لا يعرف المواطن دولته إلّا من خلال طائفته، ومصالحه تمرّ عبر الزعيم لا عبر القانون. لقد تمّ دفعنا نحو تبنّي ذهنياتٍ قبائلية، حيث يخدم كلٌّ منها سيّدها السياسي أو الديني، ويخشى الآخر أكثر ممّا يثق به.
لا يبدأ جرح لبنان من لحظة الانهيار، بل من لحظة التأسيس. من دولةٍ وُلدت معطوبة، ودستورٍ حُوصِر منذ يومه الأوّل، واستقلالٍ لم يكتمل يوماً.
فقد وُلد لبنان الكبير في 1 أيلول 1920 برعاية فرنسية، كتحقيق لحلم ماروني تاريخي بدولةٍ تشبه الغرب وتحتضن التنوّع. طالب البطريرك الياس الحويّك بدولةٍ مسيحية المنطلق، ليبرالية الشكل، علمانية الإطار، تراهن على فرنسا كضمانةٍ للوجود والحرّية.
واستلهم دستور 1926 دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة، فأقرّ الحريات العامة، فصل السلطات، والمساواة أمام القانون.
لكن هذه الحداثة لم تصمد أمام واقعٍ طائفي مشحون بالهواجس. فمع الاستقلال عام 1943، أُبرم "الميثاق الوطني" بين الموارنة والسنّة على قاعدة "لا للغرب، لا للوحدة مع سوريا". ومع هذا التفاهم الهشّ، وُلد لبنان كدولة تسويات فوقيّة لا كمشروع وطني موحَّد. اختفى المواطن ليظهر "الطائفي"، وتحوّل الحاكم إلى زعيم، والدولة إلى ساحة مفاوضات دائمة بين مكوّنات لا تثق ببعضها البعض.
ثم جاء اتفاق الطائف عام 1989 كمحاولة لوقف الحرب وبناء الدولة، فنصّ على إصلاحات جوهرية كإلغاء الطائفية السياسية وإلغاء الطائفية عموماً، وإنشاء مجلس شيوخ، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسّعة، واستقلال القضاء. لكن ما طُبّق كان ما يخدم التوازنات، لا ما يؤسّس لدولة. تحوّل الطائف من خريطة خلاص إلى نظام تقاسم دائم للسلطة.
وفي عام 1969، سُلبت سيادة لبنان بتوقيع اتفاق القاهرة، الذي منح الفصائل الفلسطينية حق استخدام أراضيه عسكرياً، فحوّله إلى منصّة صراع إقليمي. وبعد كلفة باهظة امتدت ٥٦ عاماً من الفوضى والدمار، وأكثر من ٢٢٥ ألف قتيل وشهيد، وأضعافهم من المهجّرين والخسائر والهدر بمئات المليارات، تمكّنت الحكومة الحالية أخيراً من اتخاذ خطوة جريئة بإلغاء هذا الاتفاق حقيقةً، في موقف يُحسب لها.
لكنّ المشكلة الأعمق لم تكن يوماً في النصوص، بل في العقول. فالطبقة السياسية لا تريد الخروج من الطائفية، بل إعادة إنتاجها كلّما ضاقت بها السبل. ففي 2008، وبعد أحداث 7 أيار، جاء اتفاق الدوحة ليمنح "الثلث المعطّل" لفريقٍ يملك السلاح، ويُثبّت قاعدة جديدة: من يفرض القوة على الأرض، يفرض موقعه في الدولة. هكذا، استُبدل منطق الدستور بمنطق التوازنات الإقليميّة.
وحين تُطرح الفيدرالية كحلّ، تُشوَّه من نظام وحدوي متطوّر إلى أداة انعزال. هي في جوهرها لا تقسّم الدولة بل تنظّم العلاقة بين المكوّنات. لكن في ظلّ انعدام الثقة وغياب سلطة القانون، تبقى الفيدرالية فكرة نظريّة غير قابلة للتطبيق. فالعائق ليس في المبدأ، بل في البيئة التي تُجهضه.
هذه الأزمة تتغذّى من عقليّة سلطوية متجذّرة، ترى في الآخر خصماً، وفي الدولة بقرةً حلوباً، وفي الطائفة درعاً يحتمي به الزعيم من المحاسبة.
تغلغلت في ذهن الماروني فكرة أنّه "الأب المؤسّس"، فاستكثر أحياناً على الأرثوذكسي والكاثوليكي شراكة القرار.
السنّي يرى نفسه الوريث الطبيعي للسلطة.
الشيعي يبرّر هيمنته بمظلومية الماضي.
الدروز يلوّحون دائماً بديناميت التوازن.
البروتستانتي يُستبعَد بصمت من مراكز القرار رغم حضوره الفاعل.
العلوي يُهَمَّش في طرابلس، ويُستَغلّ من الشيعة دون شراكة حقيقية.
جميع الأقليات يُعترَف بجغرافيتها، ويُنكَر حقّها في السياسة.
وكما قال علي عبد الرازق:
"كلّما زاد الخلط بين السلطة الدينية والسياسية، ازداد طغيان الحاكم واستُعبد المواطن."
اليوم، لا تمتلك الدولة سوى أنصاف تدابير:
محاكمات صوريّة لا تطال الفاسدين الكبار،
سياسات خارجيّة متقلبة على إيقاع التمويل،
إصلاحات مالية غامضة تفتقر للعدالة.
قوانين انتخابية مفصّلة على قياس الزعامات، تُقصي المغتربين وتمنح القوى التقليدية أدوات السيطرة عبر الزبائنية والخوف، خشية من التغيير.
وفي قلب المشهد، لم تكن المصارف مجرّد قطاع مالي، بل شريكاً أساسياً في الانهيار. تحالفت مع كبار السياسيين ورجال الأعمال، وشكّلت معهم شبكة مصالح مغلقة تتقاسم الفوائد وتُعيد إنتاج النظام كلّما اهتزّ.
إنّها ذهنية فاسدة لا تنتشر صدفة، بل تُنقَل عمداً كوسيلة للبقاء، في غياب دولةٍ تحاسب أو تُصلح.
في هذا الفراغ، تُمسك الأحزاب برقاب الناس، تحتكر الخدمات، تتحكّم بالفواتير، وتُعقّد المعاملات. المواطن مسحوق بين الفقر والانهيار، مدخراته تبخّرت، ومعاشه تآكل، ويُساق نحو صفقة جديدة مع المانحين لتُنقذ الطبقة التي نهبته.
وفي الخلفية، يُتقن الزعماء الدينيون فنّ التهدئة الموجَّهة، يرفعون الصوت بخطابات نارية توحي بالغضب، دون أن تتجاوز الاستعراض، ما دامت امتيازاتهم محفوظة في الكواليس.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار ما تحاوله الحكومة الحالية من خطوات جريئة في ملفات السيادة. لكنّها تصطدم بجدران ذهنية ترى في الدولة مساحة نفوذ لا مشروع عدالة.
لهذا، المعركة ليست فقط سياسية، بل وجودية. نحتاج إلى إعادة تعريف أنفسنا، لا كطوائف، بل كمواطنين، لا كضحايا، بل كصُنّاع وطن.
وكما قال شارل مالك:
"ليس أخطر ما يواجه لبنان هو الاحتلال أو الفقر، بل العقلية التي تقبل بأن يحكمها طاغية، بشرط أن يكون من طائفتها."
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن لوم الآخر، والاستعمار، والحدود المصطنعة.
فنحن من رفض بناء الدولة، وعطّلنا كل محاولة لبسط سلطة عادلة تضمن الحقوق والاستمرارية.
ونحن وحدنا القادرون على إعادة بنائها، من خلال نهضة فكرية ومدنية، تضع الوطن فوق الطائفة.
لبنان الذي نناضل من أجله يولد حين نحوّل شعباً ممزّقاً إلى وطن واحد.