ايلي الياس

بين "رئاسةٍ محتملة" و "فتنةٍ متوهَّمة": كيف يقتل توق السلطة الخيرَ العام؟

3 دقائق للقراءة

في لبنان، تبدو العلاقة بين المؤسّسة العسكريّة والسلطة السياسيّة محكومة على الدوام بميزان دقيق يختلّ كلّما تدخلت المصالح الشخصيّة. فما بين توقيع قائد الجيش إميل بستاني على اتفاق القاهرة عام 1969، وما بين البيانات الأخيرة الصادرة بعد حادثة صخرة الروشة، خطّ متصل يشي بأن التقدّم على حساب الدستور لم يكن يومًا استثناءً بل تكرارًا مأسويًّا.

عشيّة هزيمة 1967، روّج للعمل العسكري الفلسطيني كبديل عن جيوش عربيّة أخفقت في المعركة، فانتقل السلاح إلى المخيّمات وتحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للتوترات وطبعًا شكرًا لسوريا الأسد. كانت الشعبة الثانية تمسك زمام الأمور بدايةً بصرامة، لكن سرعان ما ارتخت القبضة تحت ضغط الصواريخ المنطلقة من الجنوب وردود إسرائيل. هنا دُعي لبنان إلى القاهرة حيث رعى جمال عبد الناصر لقاءً بين الدولة اللبنانية والمنظمة الفلسطينيّة. لم يكن الرئيس شارل حلو ولا رشيد كرامي في وارد مواجهة الاستحقاق، فآل الأمر إلى قائد الجيش إميل بستاني الذي دخل المفاوضات وعينه على الاستحقاق الرئاسي المقبل. فكان الاتفاق الذي منح الفلسطينيين امتيازات مسلّحة داخل المخيّمات، وأبقى للبنان نصًّا يتيمًا عن سيادته، سرعان ما تبخر في التطبيق. لقد كان طموح الأفراد أثقل من وزن الدولة.

بعد عقود، يتكرّر المشهد بلغة جديدة. حادثة صخرة الروشة لم تكن اختبارًا أمنيًّا عابرًا، بل لحظة كاشفة في علاقة الجيش بالدولة. فالبيان الذي صدر آنذاك رسم للجيش وظيفة سياسية تتجاوز حدود تنفيذ أوامر السلطة التنفيذية، وجعل من حماية "الوحدة الوطنية" مهمّة عسكرية، متجاهلًا أن هذا المفهوم في جوهره من اختصاص السياسيين ومؤسسات الدولة الدستورية. وهكذا، بدا أن المؤسسة العسكرية تكتب لنفسها دورًا إضافيًا، يتيح لها التمييز بين ما تنفذ وما تهمل بذريعة حماية الاستقرار.

وليس الأمر غريبًا على التجربة اللبنانية نفسها. ففي الثمانينات، تورّطت المؤسسة في حروب الإلغاء والاصطفافات الداخلية، ثمّ في التسعينات تكيّفت سريعًا مع وصاية الأجهزة السورية، وبعد عام 2000 تأقلمت مع هيمنة السلاح غير الشرعي. وفي 7 أيار 2008، حين اجتاحت الميليشيات شوارع بيروت والجبل، وقف الجيش متفرّجًا بحجّة "الحياد"، فيما كان الحياد في تلك اللحظة عين الانحياز، إذ أُعفي السلاح من أي مساءلة مقابل ترك العاصمة رهينة ساعات من العنف والرسائل السياسية.

الخطورة ليست فقط في التصرّف الآنيّ، بل في تراكم الرسائل. اتفاق القاهرة قضم من السيادة بحجّة "القضية"، و 7 أيار شرعن فائض القوّة بحجّة "تجنب الفتنة"، والبيانات الحديثة تقضم من الدستور بحجّة "الوحدة". في كلّ مرة تكون الخسارة وطنية والربح شخصيًا. والنتيجة أن المؤسسة العسكرية بدل أن تكون ذراعًا تنفيذية لقرارات الدولة، تتحوّل إلى مظلّة لتسويات ومصالح.

يبقى السؤال نفسه منذ 1969: هل نريد جيشًا يلتزم حدوده الدستورية مهما تعاظمت الضغوط، أم جيشًا ينجرف كل مرة مع حسابات السلطة وطموحات القادة؟ بين من يربح لحظة موقع، ومن يحفظ دستور وطن، تتحدّد مصائر الشعوب.