رنا شمص

وزن المقعد بين الدوائر... أرقام تكشف لعبة القانون الإنتخابي

5 دقائق للقراءة

كشفت دراسة إحصائيّة حديثة أجرتها شركة "أوركا ستات" أنّ الانتخابات النيابيّة في لبنان ليست مجرّد صناديق وأرقام، بل هي معادلة دقيقة تُرسم من خلال نسب الإقتراع والحاصل الإنتخابي. الأرقام أظهرت فجوات هائلة بين دائرة وأخرى، بحيث يصبح المقعد النيابي في بعض المناطق "ثقيلًا وصعبًا" ويحتاج إلى عشرات آلاف الأصوات، بينما يتحوّل في دوائر أخرى إلى "خفيف وسهل" يمكن الوصول إليه ببضعة آلاف فقط. هذا التفاوت يعيد طرح سؤال قديم متجدّد: هل يضمن القانون الانتخابي الحالي عدالة المنافسة أم يرسّخ اختلالات بنيويّة بين اللبنانيّين؟

تفاوت صارخ بين المقيمين والمغتربين

المغتربون أثبتوا مرّة جديدة حماسة مضاعفة للمشاركة السياسيّة، إذ تجاوزت نسب اقتراعهم 60% في معظم الدوائر، لتسجّل أرقامًا قياسيّة في كسروان- جبيل (70.71%) والمتن (70.45%) والشوف-عاليه (66.61%). في المقابل، تراجع حضور المقيمين بشكل مقلق، ولا سيما في بيروت الأولى حيث لم يتخطَّ ثلث الناخبين (33.51%)، فيما لم تتجاوز المشاركة 40% في بيروت الثانية وطرابلس. هذا التناقض يعكس أزمة ثقة عميقة لدى المقيمين، مقابل إندفاع المغتربين الذين ينظرون إلى المشاركة كوسيلة للتأثير في مستقبل بلدهم البعيد عنهم جغرافيًا والقريب وجدانيًا.

الحاصل الانتخابي: مقاعد بأوزان مختلفة

الأرقام التي عرضتها أوركا تكشف أيضًا عن تفاوت جوهري في الحاصل الإنتخابي. ففي صور–الزهراني، يحتاج المرشح إلى 23,298 صوتًا للفوز بمقعد واحد، مقابل 5,837 صوتًا فقط في بيروت الأولى. وبينما تشكّل نسبة الحاصل من المقترعين نحو 19% في جزين–صيدا و16% في بعبدا، تنخفض إلى أقل من 9% في الشوف–عاليه وطرابلس وبيروت الثانية. عمليًا، المقعد في جزين أو بعبدا يساوي خُمس المقترعين، فيما يكفي أقل من عُشرهم للفوز في الشوف أو طرابلس. هذه الأرقام تعكس خللًا عميقًا في مبدأ المساواة بين الناخبين: صوت في الجنوب أو جبل لبنان لا يعادل صوتًا في بيروت أو الشمال.

إمكانيّة خرق في الساحة الشيعيّة

من زاوية أخرى، يفتح هذا التفاوت نقاشًا إضافيًا حول إمكانيّة خرق نائب شيعي معارض للثنائي (حزب الله وحركة أمل) في بعض الأقضية. ففي دوائر ذات حاصل مرتفع مثل صور–الزهراني أو بنت جبيل–النبطية، يبدو الأمر شبه مستحيل نظرًا لضخامة الكتل الناخبة المحسوبة تقليديًا على الثنائي. لكن في دوائر مختلطة مثل البقاع الغربي- راشيا، كسروان- جبيل وبعبدا، حيث يساهم التنوّع الطائفي في تخفيف الثقل الانتخابي للكتلة الشيعية، يصبح احتمال الخرق واقعيًا إذا ما توحّدت القوى المعارضة وقدّمت مرشحين ذوي حيثية محلية وتحالفات مدروسة. ففي كسروان- جبيل مثلًا، ارتفاع نسبة مشاركة المغتربين (70.71%) قد يشكّل عامل دفع للتغيير، بينما في بعبدا، الحاصل الانتخابي المرتفع (16.21% من المقترعين) يجعل المنافسة أصعب لكنه لا يلغي إمكانية وصول شخصية شيعية مستقلّة عبر لوائح قوية قادرة على تجيير أصوات غير الشيعة باتجاهها. هذا الاحتمال يضع الثنائي أمام تحدٍّ غير مسبوق في الحفاظ على إحتكار التمثيل الشيعي، خصوصًا مع تنامي الأصوات المعارضة داخل الطائفة وخارجها.

القانون بين الطعن والتأجيل

القانون الحالي صُمّم في لحظة تسوية سياسية، فجاء ليخدم موازين القوى القائمة أكثر مما لبّى الحاجة إلى عدالة تمثيلية. اليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة، يُعاد فتح النقاش حول تعديل هذا القانون: هل تُترك الفوارق القاسية كما هي، لتبقى بعض الدوائر "أقفاصًا حديدية" وأخرى "أبوابًا مفتوحة"، أم يُصار إلى إقرار نظام أكثر توازنًا؟

لكن السؤال الأكثر حساسيّة: هل يصبح تعديل القانون ذريعة لتأجيل الانتخابات؟ في بلد مأزوم سياسيًا واقتصاديًا، قد يتحوّل الحديث عن الإصلاح الانتخابي إلى ورقة بيد القوى السياسية التي تخشى خسارة مقاعدها أو تغيّر خريطة التحالفات. فالذريعة التقنيّة قد تتحوّل إلى حجة سياسية لتمديد ولاية المجلس الحالي.

ما بين الحماسة واليأس

بين أرقام المغتربين المرتفعة وأرقام المقيمين المنخفضة، وبين أثقال المقعد في الجنوب وخفته في العاصمة، يظهر المشهد الانتخابي اللبناني في تناقضاته القصوى. فالقانون الحالي أنتج دوائر متفاوتة الوزن، وحوّل المنافسة إلى لعبة غير متكافئة. وفيما الأزمات الاقتصاديّة والمعيشيّة تدفع شرائح واسعة إلى العزوف، تبقى حماسة المغتربين عامل ضغط أخلاقي على الداخل لتجديد الحياة السياسيّة.

دراسة أوركا لا تُقرأ كأرقام جافّة فقط، بل كإنذار مبكر: إن لم يُعالج الخلل في القانون، فستبقى الانتخابات المقبلة محكومة باللامساواة نفسها، حيث يقترع البعض في دوائر "صعبة" وآخرون في دوائر "سهلة". وفي ظل مناخ سياسي مأزوم، يلوح شبح التأجيل تحت عنوان "التطوير والتصحيح". بين عدالة التمثيل واستمراريّة الاستحقاق، يبقى التحدّي الأكبر: هل يمتلك اللبنانيّون ترف الانتظار، أم أنّ الانتخابات ـــ مهما كانت عرجاءـــ أفضل من غيابها؟