من يراجع تاريخ الفكر السياسيّ للشعوب المسيحيّة في لبنان والمشرق في آخر قرنين يلحظ تيّارين: تيّارٌ تحرّري يسعى إلى الحكم الذاتيّ، وتيّارٌ انصهاري يسعى إلى الاندماج الجزئيّ أو التامّ في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة. وقد سمحت عواملُ داخليّة وخارجيّة بغلبة التيّار الانصهاريّ، إلّا في لبنان الذي بقي الفكر التحرّري فيه ينازع للبقاء في ظلّ المعمعة الأيديولوجيّة والمصالح الخاصّة. لكنّ مشكلة الخيار الآخر، عنيت الفكر الانصهاريّ، هو تناقضه مع الوقائع الماديّة والتّجارب التاريخيّة التي مرّ فيها مسيحيّو المشرق ولبنان (ولا يزالون): تقلّصهم ديمغرافيًّا وجغرافيًّا بسبب تعرّضهم للعنف الإثنودينيّ من: حملات البوغروم، والتطهير الإثني، والاغتيالات السّياسيّة، وصولًا إلى المجازر الطّائفيّة.
وفي هذا السّياق تبرز اللّبنانويّة مجدّدًا كفكرٍ هجينٍ في المجتمع المسيحيّ، يمكن تسميته "بالانصهاريّة الجزئيّة"، فترفض الإقرار بالصّراع الإثنودينيّ في لبنان، كما تتجاهل النصوص المقدّسة المؤسّسة لكراهيّة المسيحيّين، وتستعيض عنها بشوفينيّة زائفة "false chauvinism"، حيث يبجّل دعاتُها رموزًا "وطنيةً" مصطنعةً (مثل موسى الصّدر مؤسّس ميليشيا إسلامويّة شيعيّة ارتكبت أعمال القتل الطّائفيّ، أو كمال جنبلاط محترف خطاب الكراهية ضدّ المسيحيّين الذي وفق محاضر اجتماعاته مع حافظ الأسد دعا علنًا إلى إبادة جماعيّةٍ بحقّهم)، ويبالغون في التمييز على أساس الجنسيّة بهدف خلق ثنائيّةٍ يمكن أنْ يسير فيها العربيّ المسلم الذي تتناقض هويّته العابرة للحدود وتصوّره للدّولة الحديثة مع هذا التصوّر المسيحيّ أو "ما بعد المسيحيّ" المحلّيّ لها. لكنّ اللّبنانويّة بصفتها إسقاطًا تنظيريًّا، تتناقض مع الوقائع الحسّية ما يجعل حججها ضعيفةً، وتاليًا تماسكها الأيديولوجيّ هزيلًا، وهذا ما أفسح المجال أمام مقاربةٍ قمعها السياسيون والمؤسّسات الأمنيّة، بدءًا من إسكات إميل إده وتوقيف جورج نقاش وصولًا إلى تدمير مشروع الوطن القوميّ المسيحيّ تحت الشعار اللّبنانويّ الشعبويّ: "لبنان أصغر من أنْ يقسّم".
هذه المقاربة الجديدة يمكننا تسميتها "بالأيديولوجيا المسيحيّة التحرّرية"؛ لأنّها تنادي بانعتاق الشعب المسيحيّ وترك حريّته لتقرير مصيره. وهذا الوعي الجديد ليس غريبًا عن المجتمع المسيحيّ، بل نجده في كتابات مفكّرين مسيحيّين من المشرق من مختلف المجتمعات والطّوائف المسيحيّة: الصحافي والمفكّر القوميّ السّرياني الآمدي نعوم فائق (1868-1930)، والصحافي السرياني السوري فريد نزها (1894-1969)، والأب الماروني اللبناني بولس الخوري الكفرنيسي (1888-1963)، والسياسي البروتستانتي اللبناني أيوب تابت (1884-1947)، والرئيس الماروني اللبناني إميل إده (1886-1949)، والأب الكلداني العراقي بولس بيداري (1887-1974) الذي اعتقلته سلطات البعث أكثر من مرّةٍ في سوريا، وغيرهم ممّن دعوا إلى إقامة وطن قوميّ للشعب المسيحيّ أسوةً بالأوطان الأخرى للعرب المسلمين.
لكنّ الفكرة التي دعا إلى تحقيقها هؤلاء المناضلون التحرّريون لم تكن "الأرضيّة" المسيحيّة مستعدّةً لها. فالمؤسّسات الدينيّة رفضت الفكر التحرّري، بل تمسكت بالانصهارية لأسبابٍ عدّة أبرزها أراضي الوقف التي قد تتخلّى عنها الكنائس في حال إنشاء الحكم الذاتي. بيد أنّ التّمسّك بالممتلكات الخاصّة والأديرة التاريخيّة قد أتى على حساب الوجود المادي، إذ تقلّص أعداد المؤمنين في تلك البقع الجغرافيّة، ما دفع بالكنائس نفسها إلى بيع هذه الأراضي بمبالغ زهيدةٍ، أو صادرتها الدولة ذات النظام الإسلامي أو السّلطة المسلمة. كما أنّ بعض المجتمعات المسيحيّة ونخبها، خصوصًا في الأوساط السورية المدنيّة التي كانت مركزًا تاريخيًّا للتذميم والأيديولوجيا الانصهاريّة قد اصطدمت بواقع المجازر والتمييز العلني الذي لا يمكن حتّى تبريره ذمّيًّا.
لقد بات المسيحيّون في لبنان والمشرق أمام خيارين: إمّا الزّوال بواسطة التهجير والهجرة والقتل الجماعيّ، إمّا النّضال للبقاء بواسطة الحكم الذاتيّ. فالخيار التحرّري يستوجب تفعيل حسّ المسؤوليّة القوميّة، ونبذ الفردانيّة المطلقة، والتخلّي عن الفكر الزعاماتي أو عبادة الموتى، وفصل المقاربة اللّاهوتيّة للسّياسة (مثل فكرة "الرسالة" أو "النصلاميّة": نصرانيّة+إسلاميّة) عن المقاربة القوميّة المسيحيّة (المقاربة الإمبيريقيّة التجريبية للواقع)، وما سواها من الخطوات الثورويّة؛ لأنّ تكامل عناصر الوعي الجديد لا يمكن بلوغه من دون تحطيم أيقونات الوعي القديم.