الدكتور سايد حرقص

خامنئي يطالب أطفال إيران بالعلم والحياة ويشجع أطفال لبنان على الجهل والموت

4 دقائق للقراءة

تُظهر السياسات التربوية والخطابات الأيديولوجية للمرشد الإيراني علي خامنئي مفارقة صارخة بين الداخل الإيراني والساحات العربية التي تخضع لنفوذ طهران. ففي إيران، يُرفع شعار «العلم أساس القوة» وتُستثمر موارد ضخمة في تطوير الجامعات ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا . أما في لبنان، فتُزرع في عقول الأطفال ثقافة الموت والتضحية المبكرة عبر منظومة تربوية – عسكرية مرتبطة مباشرة بحزب الله، الذراع الإقليمي لإيران. هذا التناقض لا يعكس ازدواجية أخلاقية فقط، بل يكشف البنية العميقة لمشروع إيراني يحرص على بناء الداخل وحرق الخارج.

منذ تسلّمه منصب المرشد، لم يتوقف خامنئي عن التأكيد أن مستقبل الجمهورية الإسلامية رهنٌ بقدرة شبابها على التفوّق العلمي. في خطبه، يردّد أن الجامعات "خنادق الدفاع الأولى"، وأن العلماء هم "شهداء من نوع آخر". وقد خصصت الدولة مليارات الدولارات لدعم مشاريع التكنولوجيا النووية، صناعات الصواريخ العسكرية المتقدمة، تطوير الصناعات الدوائية وحتى الذكاء الاصطناعي.

نسبة الطلاب الجامعيين في إيران ارتفعت بشكل ملحوظ منذ التسعينيات، حتى أصبحت الجامعات الإيرانية تخرّج مئات آلاف المهندسين سنويًا.

الخطاب الرسمي يحضّ على التمسك بالحياة والإبداع والابتكار باعتبارها وسائل مواجهة الغرب، لا عبر الانتحار أو الموت.

في المقابل، يوجّه خامنئي خطابه إلى لبنان عبر حزب الله بلغة مختلفة تمامًا. فالأطفال اللبنانيون في بيئة الحزب يُدفعون منذ سنّ مبكرة إلى برامج عسكرية وثقافة الشهادة.المخيمات الصيفية التابعة لحزب الله لا تركز على العلوم الحديثة، بل على تدريبات شبه عسكرية وأناشيد تمجّد القتال والشهادة. المدارس والجمعيات الثقافية والكشافة التابعة للحزب تبني صورة «الطفل المجاهد» الذي يُنتظر منه أن يكبر ليحمل السلاح ويستشهد لا ليحمل كتابًا ويبدع. الإعلام الحزبي يحتفي بالأطفال الذين يستشهدون في الحروب أو العمليات، ويقدّمهم كقدوة للأجيال المقبلة.

بهذا، يصبح الطفل اللبناني في معادلة خامنئي وقودًا للحروب، بينما يُترك الطفل الإيراني ليتعلّم ويبتكر وينعم بمستقبل أفضل.

هذا التناقض ليس مجرّد مفارقة أخلاقية، بل هو أداة سياسية مدروسة:

1. بناء الداخل الإيراني: من خلال الاستثمار في التعليم، تضمن إيران أن تبقى قوية تقنيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

2. تفكيك المجتمعات العربية: من خلال تشجيع ثقافة الموت في لبنان واليمن والعراق، تضمن إيران بقاء هذه الدول ضعيفة، مرتهنة، وعاجزة عن بناء مؤسساتها.

3. التحكم بالولاء: حين يُربى الطفل اللبناني على أن مستقبله هو "الشهادة"، يصبح رهينة خطاب ديني – عقائدي يربطه بالمرشد في طهران لا بالدولة اللبنانية.

مع العلم أن المصادر التاريخية تشير الى أن ايران استخدمت أطفالا على جبهات الحرب العراقية – الإيرانية، لكن بعد توقيع وقف إطلاق النار،أدركت القيادة الإيرانية الكلفة الباهظة لهذه السياسة الخطيرة، فانتقلت إلى نموذج الاستثمار في الشباب عبر التعليم.

في لبنان، استُنسخت التجربة الأولى من دون مراجعة. فحزب الله ما زال حتى اليوم يروّج لنموذج "أشبال المقاومة"، مكرسًا سياسة الموت المبكر بدل الحياة المنتجة. نتيجة ذلك، بينما تسجّل إيران تقدّمًا في الطب وعلم الصواريخ والاتصالات، يبقى لبنان غارقًا في الأزمات، محرومًا من الاستقرار والازدهار.

لا يمكن النظر إلى هذه المفارقة إلا كجريمة مزدوجة: جريمة بحق الطفل اللبناني الذي يُسلب حقه الطبيعي في التعليم والحلم بمستقبل أفضل وجريمة بحق لبنان ككيان، إذ تُفرغ أجياله من طاقاتها البشرية وتحولها إلى أدوات في خدمة مشروع خارجي.

إنّ خطاب خامنئي المزدوج يفضح حقيقة المشروع الإيراني: العلم لإيران، الموت للبنان. في طهران، تُبنى الجامعات والمختبرات. وفي بيروت والجنوب والبقاع، تُبنى الخنادق والمقابر. هذه الازدواجية تستوجب وقفة لبنانية جادة تضع حدًا لاستغلال الأطفال وتحويلهم إلى وقود في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فالخلاص لا يكون إلا بالعلم، والحرية لا تُصان إلا ببناء الإنسان، لا بقتله.