بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية هذا العام، اضطرت "جنى" ب. إلى ترك مدرستها الخاصة والانتقال إلى مدرسة رسمية، ما سبّب لها صدمة اجتماعية وشعورًا بالإقصاء والاختلاف. بدأت تظهر عليها علامات عزلة، رفض للمدرسة، ومشاكل في التواصل.
وتعيش جنى ذات الـ 14 ربيعًا مع والدتها بعد انفصال الوالدين في محلة المريجة في ضاحية بيروت الجنوبية، وبعد انتقالها إلى المدرسة الرسمية بأشهر قليلة، ظهرت عليها أعراض قلق اجتماعي، انسحاب من الأصدقاء، تراجع تحصيلي، وأفكار ذاتية سلبية.
لم تقف الوالدة أمام معاناة ابنتها مكتوفة الأيدي وراحت تبحث عن سبل لعلاجها، لتستمع إلى نصيحة إحدى صديقاتها بتجربة العلاج بالأدب (Bibliotherapy) علّه يشكل مخرجًا لهذه المعاناة بتفرعاتها كافة.
وبعد أن تعرفت الوالدة إلى الأهداف التي يمكن لهذا التدخل العلاجي تحقيقها، وافقت على إخضاع جنى لـ 6 جلسات (مرة أسبوعيًا، مدة كل جلسة 60 دقيقة) على يد البروفسور أنور عبد الحميد الموسى.
ويشرح الموسى: "العلاج بالأدب مشروع رائد، ومبادرة علمية إبداعية تفاعلية، تستثمر الكلمة والنص (قراءة وكتابة ونقاشًا واستبصارًا) في العلاج النفسي وتضميد الجروح الروحية والنفسجسدية، والتفريغ والتنفيس، وفهم الذات بعمق، وإعادة التوازن، وبناء معنى جديد للحياة... هو مشروع يربط العلاج بالنص، ويحول الأخير من مجرد متعة إلى وسيلة شفاء... ضمن منهجية وجلسات وأنشطة مدروسة".
والجديد أن المشروع يطرح منهجًا علاجيًا متكاملًا ومنظمًا، لا مجرد كتابة أو قراءة فقط، ويستند إلى جلسات علاجية لها أهدافها وتشخيصها، وبرنامجها، وخططها، في عملية حوارية مع مريض يدخل عالم النص، ويؤكد الموسى أنّ هذا يشكل بابًا ليعبر المريض نفسيًا عن مكبوتاته بخطوات مدروسة... ما يتيح للمعالج قياس التقدم والمتابعة من التفاعل والتعبير نفسه، فضلًا عن المقاييس، مضيفًا أنه برنامج قد يجعل بعض الحالات تستغني عن الدواء، أو تخفيف الجرعة، أو يكون مكملًا للعلاج الدوائي أو الأساليب العلاجية الأخرى.
وانطلاقا من مبدأ التراكم الذي يعني أن الظواهر أو النتائج أو الخبرات لا تحدث دفعة واحدة، بل تتراكم تدريجيًا عبر الزمن لتؤدي إلى تحول نوعي أو تأثير كبير، يكشف الموسى أن الفكرة ثمرة أبحاثه في التحليل النفسي للأدب، وإشرافه الطويل على أطاريح ورسائل، "فأنا خريج أدب وعلم نفس... ومؤخرًا لوحظ اهتمام بالعلاج بالفن، لكن الأدب أبو الفنون؛ ففيه الرسم والنحت والرقص... وهو قادر على تحفيز هورمونات السعادة، وتخفيف التوتر متى استثمر علاجيًا وعلميًا على يد مختص. ومع تراكم الهموم، كانت الفكرة تراودني، ولا سيما بعد إخفاق العلاجات التقليدية وامتناع بعض المرضى عن العلاج التقليدي".
وانتقالًا إلى الدوافع وراء اتخاذه قرارًا بتأليف كتابه "العلاج بالأدب، النظرية والمنهج والتطبيق"، يرى الموسى أن لبنان بلد مرهق نفسيًا، يعاني من أمراض، أزمات، حروب، وانهيارات... المواطن مأزوم عاطفيًا وجسديًا، فهذا الأنموذج العلاجي مساحة للبوح والتعبير، وله بعد وقائي وداعم للعلاجات الأخرى. وهدف العلاج التخفيف من القلق والاكتئاب والضغوط، بفضل انخفاض كلفته وكونه آمنًا. الرهان عليه عالٍ شريطة حسن إدارته ومعرفة تقنياته... وأنا طبقته على عدد من المرضى المحيطين بي، فكانت النتيجة ممتازة".
لا تنحصر فوائد هذا العلاج في التخفيف من الاكتئاب، والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، وضبط الغضب والإدمان والاضطرابات السلوكية والاجتماعية، بل يتعداها ليشكل أداة وقائية ضد الاحتراق النفسي والشعور بالفراغ والعزلة، ويدخل في علاج الأمراض النفسجسدية التي تتجلى جسديًا نتيجة الضغوط، (قلب، وضغط، ومعدة وصداع وقلة نوم...).
ويشدد الموسى على أن قوة المشروع أنه يجمع بين العلم والإبداع والفن، فيجعل النص وسيلة علاجية مدروسة. يتميز بكونه آمنًا، منخفض التكلفة، قابلًا للتطبيق في المدارس والمراكز والمشافي والمجتمعات، كما أنه يقدّم جلسات ممنهجة قابلة للقياس والمتابعة، ما يجعله مستقلًا أو مساعدًا ووقائيًا في آن معا.
ويتابع: "نجحنا في مزج العلاج بالأدب عبر تصميم برنامج متكامل منظم يربط النصوص بالمهارات النفسية والسلوكية، أعددت لها كتابًا سينشر بدار النهضة وآخر قيد الطبع لجرعات أدبية في الجلسات العلاجية. ومن الصعوبات مقاومة البعض فكرة الفن كعلاج، وعدم توافر مختصين مدرّبين". التحدي الأكبر هو توسيع المشروع وتكييفه مع كل الفئات، مع الحفاظ على جودة الجلسات وفعاليتها، ووجود جهات رسمية داعمة لإدخال المشروع في المقررات والبرامج وإنشاء مركز له.
بالنسبة إلى نجاح العلاج مع المريض فهو يعتمد على تفاعل مدروس بين المريض والمعالج والنص، عبر خطة وجلسات مدروسة، ومقابلات وأنشطة واستمارات، بحيث يصل المريض إلى التفريغ والتعافي مع متابعة ومقاييس واضحة.
ومع الذكاء الإصطناعي، باتت مهمة المعالج سهلة لناحية توظيف النصوص، وكذلك، يمكن إجراء جلسات علاجية عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لكن التفاعل وجهًا لوجه يبقى الأسلوب الأجدى.
العلاج بالأدب فعال ومثمر مع كل الفئات والحالات، قد يستخدم مع أساليب علاجية أخرى، أو مستقلًا بالكامل، فمثلًا مع حالات الاكتئاب الشديد أو الانتحار يكون مكملًا، فهو يعتمد على درجة الاضطراب والمرض، ناهيك بأن النص هنا هو حبة الدواء، بحيث ينبغي تقديمه استنادًا لتشخيص الحالة وميولها ونوع ذكائها، وإلا أصيب المريض بالإحباط وتدهورت حالته. وهنا يشدد الموسى "ينبغي تدريب المعالجين جيدًا على اختيار النص وحجمه ومضمونه وجنسه، إضافة إلى تقنيات العلاج وأسلوب إدارة الجلسة والاسترخاء والنقاش. علمًا أننا قد نستعين بالعلاجات الأخرى والموسيقى والسيكودراما وتبادل الأدوار في الجلسة نفسها".
في الختام يؤكد الموسى أن المشروع يشكل دعوة إلى إعادة اكتشاف كنوز الأدب بوصفها بلسمًا وشفاء؛ حيث تتحول الكلمة إلى وصفة، والنص إلى دواء، والجلسة إلى جسر يربط المعاناة بالسكينة.