بعدما كان في الماضي حلم الشباب وفخر العائلات، تراجع موقعه حاليًا مع تبدّل المفاهيم الاجتماعية ودخول السوشيل ميديا على الخط، وتحوّل الزواج من هدف أساس لاكتمال أهداف الحياة إلى خيار شخصي.
شكّل الزواج في الماضي حلم كل شاب وصبية وفخر العائلة وضرورة اجتماعية، وكان هدفه الأول تأسيس عائلة والالتزام مع الشريك، لإنجاب عدد من الأطفال، ووسيلة للمحافظة على الموقع الاجتماعي بغض النظر عما إذا كان الفرد ناجحًا مهنيًا أم لا، لأن النظرة تجاه الأعزب أوحت سابقًا بأنه لم يحقق كل أهداف الحياة. لكن المفاهيم المتعلقة بالزواج تغيّرت في ظل العولمة، ودخلت أحلام أخرى على الخطّ. ولم يعد أولوية لدى الجيل الجديد ولا جزءًا أساسيًا لاكتمال أهداف الحياة بل أصبح خيارًا شخصيًا بحتًا، كما أصبح اختيار الشريك خارج المحيط العائلي والقروي والاجتماعي.
هكذا تستعرض مايا كرم باحثة ومدرّسة في مجال العلوم الاجتماعية مفهوم الزواج حاليًا، لافتة إلى تحوّله خيارًا شخصيًا بعيدًا من العائلة والمجتمع والدين، يرتكز على الحرية الشخصية وحرية الاختيار من خارج البيئة أو من ضمن البيئة الواحدة، ويميل إلى الخروج من الإطار الطائفي نحو الزواج المدني لسهولة معاملات الزواج والطلاق، الذي بات خيارًا محتملاً عند الارتباط وقرارًا مقبولاً في المجتمع. وتشير إلى أن الساعين إلى الزواج المدني كحلّ للتكاليف الباهظة في لبنان كما يقولون، أقلية في مقابل أكثرية تتزوّج مدنيًا في الخارج لتقيم حفلًا ضخمًا هنا، "ما يؤكد أن الوضع الاقتصادي ليس السبب الأساس، ولا الاختلاف الديني والبيئي بين الشريكين أيضًا، بل التفكير بما بعد الزواج، على صعيد شروط الانفصال وسهولة الطلاق". وتوضح بأن ارتفاع الطلب على هذا الزواج دليل أيضًا إلى تغيّر مفاهيم الزواج وقيمه الاجتماعية وأسس بناء العائلة.
من جهة أخرى أثّرت السوشيل ميديا في عملية اختيار الشريك، فبعدما كانت الصبية تبحث عن الرجل الشهم والكريم والمسؤول وحسن السيرة الذي يستطيع تأمين منزل ومعيشة كريمة لعائلته بعيدًا من الديون، ويبحث الشاب عن المهذّبة والخلوقة القادرة على تربية أطفال صالحين والالتزام بالعائلة، اختلف الوضع وتغيّرت المفاهيم، فلم يعد يقتصر الأمر على تأمين الأساسيات بل الكماليات أيضًا كالسهر والسفر لأن هذه هي الصورة التي تروّج لها مواقع التواصل الاجتماعي. فضلًا عن الترويج للأعراس الضخمة وحفلات وداع العزوبية والتقدّم للعروس ومظاهر مادية أخرى تشكّل كلها عبئًا نفسيًا على الشاب الساعي ليكون عرسه مكتملًا وفق هذه المعايير خصوصًا أن الفتيات أصبحن متطلبات أكثر.
وانطلاقًا من ذلك أدّت أسباب اجتماعية واقتصادية إلى تأجيل الزواج أو العزوف عنه. وتضيف كرم: "تاريخيًا، شكّل تأمين المنزل جزءًا أساسيًا في الزواج وساهم ربّ العائلة في تحقيق ذلك، لكن الأمور تغيّرت بعد تدهور الوضع الاقتصادي والحروب، وبعد دخول منطق الاستقلالية والتحرّر من ضغط العائلة والمجتمع على الخطّ. كما لعبت الهجرة دورًا أيضًا في التأجيل وكذلك التطور الطبي لجهة القدرة على الإنجاب في سنّ متقدّمة.
كما أدّى ارتفاع نسبة الطلاق والتحوير في مبادئ الزواج دورًا على صعيد تغيير أفكار الشباب في الارتباط، خصوصًا مع توافر خيارات أخرى أمامهم لجهة التعارف وإقامة علاقات من دون ارتباط رسمي. وتأسف كرم لنظريات بعض مدرّبي الحياة (life coaches) الغريبة في مفهوم الزواج والحياة، وترويجهم لفكرة أن الرجل هو المعيل الوحيد للعائلة والزوجة، وبأن ما تكسبه هي من عملها يبقى لمصروفها الخاص، وتقول: "هناك أيضًا شراكة ودعم وحب في الحياة الزوجية وتبادل في المسؤوليات تجاه الأولاد والمنزل من دون استغلال".
أمّا لجهة التحديات التي تواجه المتزوّجين حديثًا، فتتحدث عن هاجس التوفيق ما بين العمل ورعاية الأطفال لتربيتهم أصحّاء نفسيًا وجسديًا، وهاجس تأمين متطلباتهم المادية وتأمين الطبابة والمدارس والحياة الكريمة. وعمّا إذا كان الزواج مؤسسة قابلة للاستمرار في المجتمع اللبناني، تجيب: "يستمرّ الزواج بفضل التواصل المهمّ بين الشريكين، لأن الحب يدوم ربما لعامين لكنه يتحوّل إلى احترام وشغف وتقدير للشريك الآخر مع الوقت. ورغم تبدّل الظروف وتأثير الملل أحيانًا والإغراءات، تبقى المفاهيم الأساسية ثابتة في بناء العائلة. يصف بعض علماء النفس الزواج بالاستثمار، حيث أننا من خلال التربية على المبادئ والقيم الإنسانية نؤسس لمجتمع صالح في المستقبل".
وتتحدث عن تأثير استقلال المرأة ماديًا على تطوّر المجتمع بعامة وليس على الزواج فحسب، فتقول: "لقد أصبحت شريكة في صنع القرار والسلطة في العائلة كونها معيلة مادية أيضًا. وأدّى استقلالها المادي إلى أقلّ ليونة ومرونة وتسامحًا في العلاقة لتكون عملية التخلّي أسهل بالنسبة إليها ما يرفع نسبة الطلاق".
مضيفة: "تغيّرت نظرة المرأة إلى الزواج من علاقة تعتمد فيها على الرجل كمعيل لنظرة تكافؤ معه بالحقوق والواجبات والاختيارات الحرة لأنها أصبحت مستقلة ماديًا وتملك جزءًا من السلطة".
نصيحة الاستمرارية أنصح المقبلين على الزواج بالتفكير بأهدافه وما يريدون منه لأنه أشبه بعمل 24/7، يتطلّب عناية ومتابعة مستمرة ولا يقتصر على مشاعر الحب والغرام. لأن العلاقة تتغيّر مع مرور الوقت لذا تحتاج إلى تواصل وحب وتفاهم واحترام لرأي الآخر والقدرة على الإصغاء والتعبير من دون خوف ما يضمن استمرارية العائلة. الزواج مسؤولية كبيرة ننقل من خلاله موروثاتنا إلى أطفالنا على صعيد القيم والمبادئ وبالتالي فإمّا نؤسس لمجتمع متماسك أو مجتمع متفكّك قبل تكوينه. |