كلّ إنسان مهما ادّعى العقلانيّة والرصانة، قد ينتهي به المطاف يومًا، واقفًا أمام المرآة محدّقًا في ملامحه، متسائلاً: "لو كنت شجرة، فأيّ شجرة أكون؟".
طبعًا، أغلب الناس يكبحون هذه الفكرة خوفًا من اتهامهم بالجنون أو بأنهم يعانون من نقص في الكافيين. أما أنا، فقرّرتُ المواجهة والبحث أيّ شجرة أكون. وإن كان لا بدّ من الجنون فلنجعله علنيًّا، مطعَّمًا بشيء من السخرية، محشوًّا بثمار الاستعارات، ومعرّشًا بأغصان الفذلكة الأدبيّة.
خياري الأول هو الصفصاف الباكي. ولكم أن تتصوّروا المفارقة: أنا التي تضحك كثيرًا، حتى يظن الجيران أنني أعمل مهرّجة سريّة في أوقات فراغي، أتحوّل إلى شجرة تحترف البكاء. ذاك النوع من الصفصاف معروف بفروعه المتدلية التي تمنحكم انطباعًا أنه يقيم جنازة يومية. لكن، ألا ترون أنّ في الأمر إغراء؟ أن تضحكوا في حياتكم اليومية حتى يملّ الناس من قهقهاتكم، ثم تتحوّلون في الجوهر إلى كائنات نباتية تذرف دموعها بلا انقطاع. إنها المزاوجة المثالية بين المهرِّجة والفيلسوفة: ضحك للآخرين، بكاء للذات، وفروع تتدلى كأكمام قميص واسع لم يجد صاحبه خيّاطًا يصلحه له.
الزيتون بركة وحمامة
ثم تلوح أمامي شجرة الزيتون. آه، يا للزيتون! كائن حيّ يعيد تعريف الكرم: ثماره تؤكل، زيته يُطهى ويُضاء به، أوراقه توضع في الشاي الطبّي، وجذعه يكبر حتى ليبدو أنّ كلّ حرب في المنطقة مرّت واستراحت عنده. لو كنت زيتونة، لصرت رمزًا للسلام، مع أنني بالكاد أستطيع إقناع جاري بعدم ركن سيارته أمام باب بيتي. ولربما جاءت حمامة بيضاء تحطّ فوقي، تلتقط صورًا معي، تنشرها على "إنستغرام" تحت عنوان "معزوفة زيتيّة في زمن الحرب". لكنني، بيني وبينكم، أخشى أن ينتهي بي المطاف في مطبخ إحدى الجدّات، معصورةً بلا رحمة، لأتحوّل إلى "زيت كثير كثير كثير وصحيّ" يُسكب فوق صحن فتوش. أيّ مجد أعظم من أن يلتهمكم بشرٌ جائعون باسم الصحّة والعافية؟
الأرزة نشيد وطني وجذور
الخيار الثالث الأرزة. يا لها من شجرة متعالية! شامخة لا تطالها الشيخوخة، لا تعترف بالزمن ولا بضعف المفاصل. تتربع وسط العَلَم اللبناني مثل ملكة جمال أبديّة. وحدها تتغلّب على جمال جورجينا رزق ملكة جمالنا الدائمة للكون. الأرزة ترفض تسليم التاج. لكن، لنكن صرحاء: أن تكون أرزة يعني أن أتحمّل قدرًا هائلًا من التوقعات الوطنية. الناس سيرَونني رمزًا للخلود، فيما أنا، في أعماقي، أرغب فقط في قيلولة بعد الظهر. الأسوأ من ذلك أن يقرّر البلد إعلان الحداد، فيتوجب علي أن "أنكّس"، أي أن أعقد أغصاني مثل حاجبَي مدرِّس رياضيات غاضب. آه، يا للأرزة! إنها شجرة فخمة، لكنني أشك في أنني أملك القدرة على تمثيل دورها، فأنا بالكاد أتحمّل مسؤولية ريّ نبتة الصبار على شرفتي.
السنديانة والعناق الجماعي
ثمّ تأتيني فكرة أن أكون سنديانة. الشجرة العملاقة التي يحب الناس الالتفاف حولها ليعانقوها، وكأنهم يريدون أن يحتضنوا التاريخ نفسه. أتخيّل نفسي أتحوّل إلى سنديانة! سأستيقظ كل صباح على بشر غرباء يطوّقون جذعي بأذرعهم، يلتقطون صُور "سلفي"، ويكتبون "مع صديقتنا السنديانة التي تجاوز عمرها خمسمئة عام". أي عبء شهرة هذا؟ والأسوأ أنني سأجد نفسي مضطرة لتقديم ثماري السخيّة، بلّوط صغير متواضع، أقرب إلى المكسّرات المملّة في حفلات رأس السنة. لكن مع ذلك، لا يمكن إنكار هيبة السنديانة التي تشبه الجدّة الحكيمة التي ترفض ترك الدنيا، على الرغم من أنّ أولادها وأحفادها ينتظرون حصصهم من إرثها.
التوت الملاذ
هناك أيضًا شجرة التوت. أليست الأجمل؟ ثمارها حلوة، أوراقها صالحة لدودة القز، وظلالها تحوّلت عبر العصور إلى صالة ألعاب مفتوحة للأطفال. أن أكون شجرة توت يعني أن أتحمّل أصابع ملطّخة بالعصير الأحمر، ضحكات صغار يختبئون بين أغصاني، وأغنيات تراثية تصفني كمنصّة للرقص الشعبي. لكن الخطر هنا، أن أتحوّل إلى مائدة مجانيّة لكل عابر سبيل. أتخيّل نفسي واقفة بكل وقاري، وإذ بأحدهم يقفز ليقطف ثمرة من أنفي مباشرة. أين الكرامة النباتيّة؟. ومع ذلك، فكرة أن أكون سببًا في ابتسامة طفل تُلطّخ قميصه بعصير التوت ليست سيئة إطلاقًا.
العارضة النباتية
أما السرو، فهي الشجرة التي وُلدت لتعرض نفسها. ممشوقة، رشيقة، واقفة كما لو أنها تتدرب على "كات ووك" أزلي. لا ثمار تذكر، لا زيت، لا دموع، فقط قامة طويلة تثير غيرة الأشجار القصيرة. إن صرتُ سروة، فسأكون نجمة كلّ الأمكنة، حتى المدافن، حيث يزرعونني رمزًا للسكينة، وأحيانًا للنهاية الأبدية. يا للقدر المضحك! أن أصبح عارضة أزياء نباتية، ثم أُجبر على العمل حصريًّا في قطاع الجنازات. مع ذلك، لا أُنكر أنني سأحبّ الاستعراض والتبختر بين غابة متنوّعة، والصراخ في سرّي: "أيتها الأشجار المربوعة، تراجعي! الأضواء لي وحدي".
اللزاب الصبور
ولمَ لا أكون شجرة لزّاب؟ تلك الشجرة التي تتشبّث بالمرتفعات الصخريّة، وكأنها تقول: "لن يطردني جبل من حضنه". اللّزاب بطيء في نموّه، عنيد في بقائه، لا يزهر بسرعة، لكنه يشيخ بكرامة ويترك على جذعه ندوب الزمن كأوسمة صمود. لو كنت لزابة، لَضَحك الناس من بطئي في كلّ شيء، لكنهم سيصمتون في النهاية حين يرونني ما زلت هنا، واقفة في وجه العواصف. نعم، قد لا أملك شهرة الأرزة، ولا زيت الزيتون، لكنني أملك هبة البقاء الطويل، وأن أكون شاهدة صامتة على كل ما يمرّ ثم يزول.
حيرة لا تُحسم
فبعد هذه الجولة بين الصفصاف الباكي والزيتون المبارك والأرز الوطني والسنديان الجدّي والتوت الطفولي والسرو الاستعراضي، بقيتُ حائرة. أيّ شجرة أصلح لأكونها؟ في كلّ خيار جانب يغريني، وجانب آخر يرعبني. الصفصاف يمنحني فرصة للبكاء الأنيق، لكنني أخشى أن أغرق في دموعي. الزيتون يهبني المجد الغذائي، لكن نهايتي ستكون في قنينة زجاجية. الأرزة تعرض عليّ الخلود الوطني، لكنني لا أحتمل ضغط الانتخابات البلدية. السنديانة تمنحني العناق، لكن من يحتمل مئات الأذرع كل يوم؟ التوت يهبني الطفولة، لكن أيضًا الأوساخ. أما السرو، فمجده قد يترافق والحزن. واللزاب؟ يمنحني صبرًا جبليًا وعنـادًا صخريًا، لكن ثمنه أن أشيخ ببطء شديد كأنني أعيش ألف حياة في حياة واحدة.
الإنسان شجرة متنقلة
نحن في الحقيقة أشجار متنقلة. نبكي كصفصاف في ساعات، ونعطي كزيتون في أخرى، ونتعالى كأرز حين تغرينا العظمة، ونتواضع كتوتة حين نحبّ بصدق. نتمدد كسنديان حين ندّعي الحكمة، ونقف كالسرو حين نحبّ الاستعراض. نحن خليط نباتي متحرّك، يرتدي الجينز ويشرب قهوة صباحيّة.
فلتسقط الحيرة إذن. إن كنتُ أريد أن أكون شجرة، فسأكون "غابة" كاملة. غابة تمشي على قدمَين، وتكتب مقالات ساخرة، وتضحك من نفسها حتى يظن الناس أنها فقدت عقلها. وما أجمل أن أفقد عقلي قليلًا، إذا كان الثمن أن أكسب غابة داخلي.




