تبيّن قراءة المراسلات الدبلوماسية المتعلقة بلبنان من منطلق علم النفس السياسي والعيادي والذهنيات منبع أمراض ذهنية تسمح باستكشاف سبل العلاج من خلال تأريخ علمي واقعي والتربية والذاكرة. تتضمن صفحات عديدة في الأرشيف الدبلوماسي وصفًا في علم نفس الشعوب بدون ادعاء دبلوماسيين اختصاصهم في علم النفس السياسي والعيادي.
يتذمّر قناصل فرنسيون من شمولية الكذب والتكاذب وانعدام إدراك الحدود والمعادلات والخلط بين الخاص والعام والتوجه الدائم في اتهام الغير بمساوئ بدون براءة في السلوك ومزيج من التسامح والتعصُّب. يترافق كل ذلك مع زج قوى خارجية في نزاع داخلي والاستقواء بالخارج واستغلال التدخل في خلافات داخلية. يظهر هنا التناقض بين روايات السياح المستشرقين الذي يصفون سلوكيات لبنانية في الحياة اليومية والسلوك في العلاقات الخارجية.
إن السلوك في الحياة العامة مختلف إذ قد يتمتع الإنسان بصفات ثقافية وأخلاقية راقية بدون سلوكيات عقلانية في الشأن السياسي العام.
يكتب القنصل Bourée إلى سفير فرنسا في روما، في 31/12/1845: "يفتقر السكان إلى الصفات المميّزة التي يذكرها مستشرقون". ويذكر في 16/8/1846: "لا يساهم التقاعس والخيانات في تسهيل مهمتنا". يحمل تاريخ طويل اللبنانيين على استغلال وسائل عديدة في سبيل الحماية تجاه المحتل. لكنهم يستمرون، بعد إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 وميثاق واستقلال 1943، في سلوكيات بدون استخلاص العبر. يكتب Guizot إلى القنصل Bourée في 14/7/1847: "يحملنا الواقع على الانجراف في المشاعر بدلاً من المقاربة السياسية وعلى اعتماد أوهام خلافًا للواقع". ويصف Schmidt القائم بأعمال قنصلية فرنسا في بيروت في مراسلة لـ Vicomte de la Hitte وزير الخارجية الفرنسية في 20/3/1850: "الضجة والضجيج والفضائح والكذب".
1. الباب العالي والتكاذب والاستقواء بالخارج: يُستخلص من مراسلات دبلوماسية أن قيّمين على السلطة ينجرفون في نزاع داخلي في سبيل الدفاع عن النفس، ولكن أحيانًا للاستقواء بفضل دعم خارجي ويتم استغلال الشفقة الفعلية أو المفتعلة لهذه القوة الخارجية في سبيل الحصول على مكاسب داخلية. وتنخرط بالتالي قوى خارجية في مستنقع داخلي ورماله المتحركة.
يبدي قناصل فرنسا في لبنان نصائح لممارسة الحذر وغالبًا اعتماد الحياد. يثني الوزير Drouyn في جوابه على القنصل Lesparda في 20/10/1852 في اعتماده الحذر تجاه ممثلي إحدى الطوائف لأنهم "لم يلتمسوا النصح إلا في سبيل توريط المسؤولية الفرنسية في دعمهم للسلطة العثمانية". ويكتب قنصل بروسيا في بيروت Wildenbruck إلى الأمير سعد الدين شهاب في 14/6/1844 مشجعًا على الحياد في شؤون داخلية: "إذا تدخلتم في هذه القضية التي هي حصرًا دينية ستقعون ضحية أكاذيب أشخاص يسعون إلى زجّكم في غايات خاصة".
تخشى تاليًا قوى خارجية أن تصبح ضحية ألاعيب داخلية ويسعى دبلوماسيون معتمدون في لبنان إلى تصويب المسار. يذكر Bourée في صفحات عديدة "بنيانًا من الأكاذيب والأقاويل والمبالغة تجاه فداحة الوقائع الملموسة. الكل يتآمر. إني في حالة تناقض بين مبالغة مسيحيين ومبالغة دروز. الأولى تتهمني لأنني لا أنساق في تصوراتها والثانية تتهم القنصلية الفرنسية بممارسة الضغوط".
يذكر Wedjihi Pacha في مذكرة إلى القوى العظمى الخمس في 10/5/1845: "إن الذين يستمعون بدون الانكباب على الواقع ينجرفون في تصديق الأقاويل". والقنصل Lesparda، بعد سرده قضية تعيين كاهن لكرسي الاعتراف وصلت أصداؤها إلى الكرسي الرسولي في الفاتيكان، يقول: "أهملت التفاصيل التافهة لأنه في هذا البلد المسائل الصغرى تتعقّد في تفاصيل بدون مغزى". ويختتم بالقول في ما يتعلق بمعلومات وردت إلى وزارة الخارجية الفرنسية: "ليس في كل القضية عبارة واحدة حقيقية".
في ما يتعلق بمسألة أخرى تخطّت حجمها الواقعي يكتب Bourée إلى Guizot: "من المؤسف أنّ هذه المسألة البسيطة اتخذت حجمًا ضخمًا. تأكدت شخصيًا من تفاصيلها ولم يعد أي شك ممكنًا". ويرسم Bourée هذه الملامح الشخصية في مراسلة دبلوماسية في حزيران 1845: "إننا نجد ذهنية لبنانية ترتكز على المبالغة، بدون منهجية وبدون الحرص على الواقع ومن خلال ادعاءات كاذبة بدلاً من البرهان الجدّي".
2. النقص في أخلاقية رجال سياسة: تتم غالبًا معالجة الأزمات ليس من منطلق قانوني وسياسي، بل في علم النفس بفضل مرور الزمن والصبر، كما يذكر Bourée في رسالة إلى Guizot في 23/3/1847. ويكتب Bourée إلى سفير فرنسا في روما في 31/12/1845: "خلال خمس سنوات، رجل واحد كان وطنيًا وهو الوحيد الذي استحق باستمرار ثقة القنصلية في كلامه وصدقيته". ويكتب إلى Baron de Bourqueney، سفير فرنسا في القسطنطينية، في 3/5/1947: "تبقى صعوبة أخرى في الجبل وهي إيجاد أشخاص غير فاسدين". ويقول الكونت Lallemand المكلّف بمهمة في لبنان لدى مغادرته بيروت في 9/12/1847: "يكمن الضعف الذي يؤدي إلى الامتناع عن الحكم في غياب رجال شرفاء وأصحاب قدرة في الطبقة الارستقراطية في لبنان".
إن اللبناني هو مثقف في الآداب والفنون والإبداع وتاجر ناجح ومغامر ومضياف... ولكن هل اكتسب بعد إعلان دولة لبنان الكبير واستقلال 1943 الإدراك لمفهوم الدولة والشأن العام؟ ماذا فعلنا في التربية والتاريخ العلمي الواقعي وبناء الذاكرة منذ إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 وميثاق واستقلال 1943؟ ورد في كلام أحد الدبلوماسيين الأوروبيين لدى مغادرته لبنان سنة 2024: "إذا استمريتم في ألاعيبكم manigances فلا تعتمدوا على دبلوماسيتنا"! إنه انعدام الجديّة والمعليشية في ذهنية سياسية تعود جذورها إلى علم النفس التاريخي والعيادي ولم تخضع للمعالجة.
نستخلص ملاحظات دبلوماسيين من الأرشيف التالي:
Adel Ismail, Documents diplomatiques et consulaires relatifs à l'histoire du Liban et du Proche-Orient du XVIIe siècle à nos jours, Beyrouth, Editions des œuvres politiques et historiques, 20 vol., 1977-1982.
من الضروري مستقبليًا مراجعة مراسلات دبلوماسية أخرى وبخاصة تلك التي نشرها د. أنطوان الحكيم ود. أحمد حطيط ومؤرخون آخرون. ونحذّر من التعميم من خلال وصفنا لأن اللبنانيين يتمتعون أيضًا بتراث حافل من رجال دولة ومناضلين للحق والقانون والشأن العام. لكن بعض الرواسب في علم النفس التاريخي والعيادي يستغلها مخادعون وشعبويون خلال الأزمات ويزعزعون ثوابت لبنانية ونضال أجيال.
من أبرز الشهادات في سبيل الاستفادة من الاختبار وتجنّب آلية التكرار ما يقوله كمال جنبلاط في محاضرة في الندوة اللبنانية في 10/2/1956: "لبنان وجد لكي يكون بلد العقل، بلد العقلانية، أثينا هذه البقعة من الشرق، ولنترك لسوانا أن يتلهى أو يجازف بلعب دور أسبارطة Sparte فهو ليس دورنا في الواقع. إن نفوسنا تعبت – عبر التاريخ – من تشخيص أدوار الأباطرة أو من تقليد دون كيشوت Don Quichotte...
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019