في زمنٍ يتهاوى فيه الحجر ويصفرُّ فيه الورق تحت غبار الأزمات وقلّة التقدير المعنوي، ثمّة من يصرّ على أن يُبقي للذاكرة بيتًا وللحكاية صوتًا. مبادرات تأحذ أشكالًا مختلفة: صفحات وحسابات عبر مواقع التواصل، مواقع ومراكز لجمع المقتنيات القديمة، مكتبات يسعى أصحابها للاستحصال على الإرث الفني والأدبي والصحافي لشخصيات معروفة، حين يأخذ أصحابها أو ورثتهم قرار التخفف منها. مبادرة نبيلة يقوم بها بعض الأفراد أو المؤسسات الخاصة في لبنان، بينما في الدول التي تسبقنا حضارة وتقديرًا لكبارها تكون هذه المهمّة عادةً تحت رعاية جهات رسميّة.
بين رفوفٍ مكتظة بكتبٍ صفراء وصورٍ تشبه حلمًا مضى ومقتنيات لا تزال تحمل بصمات أصحابها، نشأت "Documents and Collectables"، كمكتبة فعليّة في منطقة الدكوانة وصفحة افتراضيّة على "فايسبوك" لفادي الدّيري وعائلته، لتصبح أشبه بخزانة أسرار تحفظ ما كان مهدّدًا بالغياب. الأمر ليس مجرّد تجارة بالماضي، بل فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لصون ما تبعثر من هويّة، وإعادة بث الروح في مقتنياتٍ تقاوم بصمت ضجيج الحاضر.
نجاة من الغياب
بين دفاتر الزمن وأرواقه وصناديق محفوظة في البيوت القديمة، يسعى الدّيري وعائلته لتحويل الذاكرة إلى أرشيف مفتوح لهواة النوع. هي مهمّة شاقّة لكنها نبيلة: جمع وأرشفة وعرض المقتنيات القديمة التي تحمل في طيّاتها وجهًا من وجوه الذاكرة اللبنانية والعربية.
"ما يُعرض اليوم عبر منصّتي، ليس مجرّد قطع متناثرة من هنا وهناك"، يقول الدّيري لـ "نداء الوطن"، ويتابع: "نحو سبعين في المئة من هذا الأرشيف الثري يعود إلى مقتنياتٍ شخصية لعائلتي، ورثناها وحافظنا عليها عبر السنين. أما الثلاثون في المئة المتبقية، فهي كنوز حملها أصحابها أو ورثتهم إلى مكتبتنا، بدافعٍٍ من الحنين أو تحت ضغط الحاجة، علّها تجد في هذا المكان مأوى يليق بقيمتها".
يشير الدّيري إلى أنّ بعض القطع لديه ليست عادية على الإطلاق، إذ خرجت من بيوت شخصيّاتٍ مشهورة غيّبها الموت، وفضّل أبناؤهم أن يسلمّوها إلى مكتبته بدلًا من أن تبقى مهملة في الأدراج أو مهدّدة بالتلف. هكذا، تحوّلت الصّفحة/ المكتبة إلى ما يشبه بيتًا مفتوحًا للذاكرة، تحفظ ما تركه الآباء والأجداد، وتعيد لهذه المقتنيات قيمتها وبهاءها، قبل أن يبتلعها النسيان.
من البيت إلى السّوق
المقتنيات التي خرجت من بيت آل الدّيري إلى السّوق ليست سوى فصولٍ من ذاكرة شخصية تحوّلت بمرارة إلى معروضاتٍ علنية. فالأزمات الاقتصادية التي اجتاحت البلد بعد انفجار مرفأ بيروت، وما رافقها من مشاكل صحيّة أصابت الصحافي الرّاحل الياس الدّيري وزوجته (والدا فادي الدّيري)، فرضت واقعًا قاسيًا جعل الحفاظ على هذه الكنوز أمرًا بالغ الصعوبة، فوجدت الأسرة نفسها مضطرة إلى خيارٍ لم يكن في حسبانها يومًا: عرض بعض المقتنيات التي تملكها في المزادات العلنية.
غير أنّ فادي الدّيري لا يرى في هذا الفعل خيانةً للذاكرة أو خسارة لها، بل يعتبره شكلًا من أشكال إنقاذها. ففي رأيه، المقتنيات التي تغادر خزائن البيوت إلى أيدي محبّين جدد لا تموت، بل تستعيد حياتها في مكانٍ آخر. يقول: "بيع القطع أفضل من رميها أو تركها لتتلف. هكذا يحصل في العالم أجمع، حيث تتحوّل الأسواق الشعبية والمعارض إلى مسارح مفتوحة لتبادل الذاكرة وإعطائها عمرًا جديدًا".
بهذا المعنى، كل قطعة تُباع تُفتح أمامها أبواب حياة جديدة، وتمنح الذّاكرة فرصةً للنجاة من النسيان.
طفولة في حضن الكتب
كلّ حكايةٍ في حياة البشر تبدأ من لحظةٍ صغيرة، وفادي الدّيري بدأت حكايته من يدٍ تمسك بيده الصّغيرة وتسير به بين الرّفوف. يستعيد تلك الأيام بعينَين يملؤهما الحنين. كان فادي يرافق والده الياس إلى المكتبات وأسواق الكتب. هناك، كان الطفل يختار كتبه كما يختار سواه من الأطفال الألعاب.
يذكر الدّيري أنّ والده لم يكن يشتري كتابًا أو اثنَين، بل كان يغادر المكان مثقلًا بأكياس تضمّ عشرات المؤلَّفات. وفي مواقع كانت مخصّصة لبيع الكتب حيث المنشورات والمطبوعات ممدّدة على الأرصفة تنتظر من ينقذها، كان الوالد يمضي السّاعات باحثًا، منتقيًا، ثم يعودان معًا بما يزيد عن مئة كتاب بعد كلّ مشوار. كان المشهد أشبه بكنزٍ مكتشَف للتو، تُحمل صفحاته بحذر وكأنها جوهرة.
هناك، في تلك اللحظات التي قد تبدو عادية للآخرين، وُلدت العلاقة الأولى لفادي الدّيري مع الأرشيف. ومن حضن الأب والكتب معًا، تفتّح عشقه لحفظ المقتنيات وصونها من عبث الزمن.
معيار الندرة
لكن في عالم يفيض بالمقتنيات العادية، حيث تتكرّر الأشياء بلا نهاية وتختلط الوجوه وتتشابه أحيانًا، يختار الدّيري الإضاءة على ما هو فريد ونادر حصرًا. فلا يعرض سوى ما يسمّيه بـ "القطع التي لا تتكرر". هذه القطع ليست مجرّد أغراض تُباع وتُشرى، بل تحمل قيمة معنويّة وروحيّة، تلمس الذاكرة وتعيدها إلى الحياة.
بالنسبة له، ما يستحق أن يُحفظ ليس ما يلمع بالمال، بل ما يلمع في القلب. ما ينجو من النسيان يجد له مكانًا في واجهة مكتبه / صفحته، حيث تتحوّل تلك المقتنيات إلى شواهد صامتة على تاريخ عاشه أصحابها، وذكريات تنبض بألوان الزمن. هنا، تصبح كلّ قطعة قصّة، وكلّ كتاب أو صورة أو تحفة رابطًا بين الماضي والحاضر، وبين الحكاية والذاكرة التي لا تموت.
متحف للراحل الياس الدّيري
إنما للذّاكرة الكبرى حكاية لا يمكن أن تُختصر في صندوق أو خزانة. ولأنّ الأقربين أولى بالمعروف، يكشف فادي الدّيري عن مشروع تعمل عليه العائلة بكلّ حبّ وإصرار: متحف خاص بوالده الصحافي الراحل الياس الدّيري (الشهير بـ "زيّان") والمقرّر افتتاحه في مركز ثقافيّ سيحمل اسمه، بعد أن تستكمل الأسرة الإجراءات الرسميّة اللازمة لذلك.
لن يكون المتحف مجرّد مبنى، بل وعد بالوفاء لرجلٍ عاش حياته بين الحبر والورق، وخلّف وراءه أرشيفًا ضخمًا يفيض بالكتب والوثائق والصّور النادرة. هناك ستجد الذاكرة مكانًا لائقًا بها، حيث يتحوّل الإرث الشخصي إلى ذاكرةٍ جماعية مفتوحة أمام الأجيال المقبلة، شاهدة على حقبة كاملة من تاريخ الإعلام في لبنان.
بالنسبة لفادي وإخوته، لن يكون هذا المتحف مجرّد تكريم لوالدهم، بل جسرًا يربط الماضي بالحاضر، بحيث تُستعاد ملامح رجلٍ حمل القلم كراية، وتُحفظ إنجازاته لتبقى حيّة في وجدان من لم يعرفوه شخصيًا، لكنهم سيكتشفون صوته وقلمه بين رفوف وجدران قاعات المركز الذي سيحمل اسمه وإرثه.
غياب التقدير
إنما رغم الجهد الكبير الذي تبذله العائلة في جمع وحفظ المقتنيات والأرشيف، يعبّر فادي الدّيري بمرارةٍ عن غياب أي دعمٍ رسمي، سواء مادّي أو لوجيستي. يقول بأسى شديد: "بعد إصابة والدَينا في انفجار المرفأ عام 2020، لم يلتفت أحد إلينا، رغم التاريخ العريق الذي تركه والدي في الإعلام اللبناني".
هذا الغياب كافٍ لإثباط عزيمة أيّ كان، لكنه في حالة آل الدّيري لم يكن إلّا دافعًا إضافيًّا لفادي وإخوته وعائلاتهم للإستمرار. فالعائلة، مدفوعة بحبّها للذاكرة وإيمانها بقيمة ما تحتفظ به، تواصل التنسيق مع عدّة مؤسسات ثقافية، في محاولة لإنقاذ ما تبقّى من أرشيف لبنان الثقافي الثمين. بمثل هذه المساعي والمبادرات لا يندثر إرث الكبار بالغياب الرسمي، بل يبقى حيًّا بفضل من يمنحه الحياة والاهتمام.





