تشهد مدينة طرابلس أزمة متصاعدة في تنظيم المواقف، إذ باتت المواقف العشوائية للسيارات مشهدًا يوميًا مألوفًا في معظم الشوارع الرئيسية والأحياء الداخلية. فالأرصفة محتلّة، والممرّات الجانبية مغلقة، والسيارات تصطف في الصفين الثاني والثالث من دون أي التزام أو رقابة فعلية.
ورغم المناشدات اليوميّة لأهالي طرابلس، لا تزال البلدية حتى اليوم تتجنب اتخاذ أي قرار جريء في هذا الصدد، مكتفية بحملات ظرفية لا تدوم طويلًا. ويشير مواطنون إلى أن تنظيم المواقف وإزالة الفوضى المرورية كان من أكثر المطالب إلحاحًا على المجلس البلدي الجديد منذ تسلّمه مهامه وقبلها، غير أن شيئًا ملموسًا لم يتحقق حتى الآن، في ظلّ غياب خطة واضحة لمعالجة المشكلة جذريًا، لدى هذا المجلس كما لدى المجالس السابقة.
هذه الفوضى لا تقتصر على منطقة بعينها، بل تتكرّر في مختلف أرجاء المدينة. من سوقها القديمة وأحيائها التاريخية حيث تزدحم الأزقة بالسيارات والمتسوّقين، إلى المدينة الجديدة التي تعاني بدورها من غياب المواقف المنظمة واحتلال الأرصفة أمام الأبنية والمحال التجارية. فالمشهد واحد: ازدحام، فوضى، وتراجع في انسيابية الحركة.
ويزيد من حدّة المشكلة أن أصحاب المحال التجارية، يعمدون إلى حجز المواقف أمام محلّاتهم وعلى الأرصفة، عبر ركن الكراسي أو الأحجار أو قواطع الحديد، ما يحوّل الطرقات إلى ساحات مزدحمة غير قابلة للاستخدام. يتساءل كثيرون في هذا السياق: لماذا لا يتمّ تشغيل عدّادات الـ "بارك ميتر" والتي كان من الممكن أن تحدّ من هذه الفوضى وتضمن تنظيم المواقف بشكل أكثر عدالة وانضباطًا، مؤكّدين أن استمرار الوضع الحالي يضاعف معاناة السائقين والمشاة على حدّ سواء، ويخنق قلب المدينة بالكامل.
قبل أيام، نشر رئيس بلدية طرابلس، عبدالحميد كريمة، منشورًا عن إنجازات البلدية منذ تسلّمه رئاستها. بالمقابل تلقى العديد من الانتقادات على صفحته، خاصة من المواطنين المستائين من الوضع المروري وفوضى المواقف العشوائية. ويشير هؤلاء إلى أن الحديث عن إنجازات عامة، لا يعكس واقع الشارع اليومي الذي يعاني من ازدحام مستمرّ واحتلال الأرصفة والممرّات، مؤكّدين أن تنظيم المواقف وإعادة تشغيل عدادات "بارك ميتر" يجب أن يكون أولوية عاجلة قبل أي حديث عن الإنجازات الأخرى.
ويشير الطرابلسيون إلى أن غياب المحاسبة يساهم في تشجيع التعدّيات اليومية على الأملاك العامة، حيث تُحوَّل الأرصفة إلى مواقف خاصة أو مساحات تجارية غير قانونية. وتنعكس هذه الفوضى على حياة المواطنين اليومية، فتتزايد الاختناقات المرورية، وتتراجع حركة النقل والمشاة، فيما يفقد وسط المدينة شيئًا فشيئًا حيويته الاقتصادية والسياحية. ويرى كثيرون أن الحلّ يبدأ بإرادة بلدية حقيقية تُعيد فرض النظام، عبر خطة شاملة تشمل إعادة تشغيل العدّادات، وتخصيص مواقف منظمة في المناطق المزدحمة، وتشديد الرقابة على المخالفين، وينتهي بخطة سير ومرور كاملة متكاملة، تُخرج طرابلس من هذا الاختناق اليومي.
طرابلس التي تتطلّع إلى نهوض عمراني واقتصادي، لا تزال حتى الآن عاجزة عن معالجة واحدة من أبسط مشكلاتها اليومية: فوضى السيارات، التي تحوّلت إلى عنوان لمعاناة مستمرّة وغياب للمساءلة.