تنصّ المادة 5 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنّ رئيسه "يرعى في المجلس أحكام الدستور والقانون والنظام الداخلي"، لكن ما شهده ويشهده البرلمان اللبناني، منذ عقود، هو إدارة انقلابية تُنفّذها رئاسة السلطة التشريعية على النظام والأحكام والأعراف، وقد تجلّت آخر فصولها في ملف قانون الانتخابات النيابية، حيث كرّس الرئيس نبيه بري أسلوبه الاستئثاري والكيدي واللانظامي، ضاربًا بعرض الحائط واجباته الدستورية والانتظام المؤسساتي برمّته.
أوّلاً، تنصّ المادة 109 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنّه "للرئيس طرح الاقتراح أو المشروع المعجّل المكرّر على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد تقديمه حتى ولو لم يدرج في جدول الأعمال."، وقد خالف بري هذه المادة برفضه وضع اقتراح قانون معجّل مكرّر لإلغاء المادة 122 من قانون الانتخابات رقم 44/2017، مقدّم في 9 أيار 2025، وموقّع من 67 نائبًا، على جدول أعمال الجلسات التشريعية منذ تاريخه، غير آبهٍ لا بعريضة برلمانية موقّعة من 61 نائبًا، ولا بعريضة شعبية موقّعة من أكثر من 13 ألف لبناني في الاغتراب، وقد تذرّع بأنّ هناك لجنة فرعية تدرس القوانين، مع العلم أنّه تعتري القانون الانتخابي النافذ مشكلة جوهرية، تتهدّدها المهل، وترتبط بآليات تطبيق الانتخاب الاغترابي وفق الدائرة 16، دون أي آليات تطبيقية.
ثانيًا، تنصّ المادة 110 من النظام الداخلي على أنّه "للحكومة ولأيّ من النواب مع تقدّم مشروع أو اقتراح قانون أن يطلب بمذكرة معلّلة مناقشته بصورة الاستعجال المكرّر شرط أن يكون مؤلّفاً من مادة وحيدة."، ورغم التزام النواب الذين قدّموا الاقتراح، السابق ذكره، بنصّ القانون، رفض رئيس المجلس طرحه على جدول الأعمال، مع العلم أنّه بذلك لم يُخالف فقط النص بل أيضًا الأعراف النيابية المعمول بها، والتي كرّسها بنفسه، وقد واظب منذ عقود، على عرض كل الاقتراحات المعجّلة المكرّرة أمام الهيئة العامة خلال الجلسات التشريعية، ففي ولاية المجلس السابق، على سبيل المثال، يتبيّن أنّ 231 اقتراحاً معجّلاً مكرّراً قد تمّ إدراجهم من أصل 438 بنداً تشريعياً، أي ما نسبته 53% من مجموع البنود التشريعية.
ثالثاً، تنصّ المادة 112 من النظام عينه، على أنّه "يناقش المجلس صفة الاستعجال المكرّر ويصوّت عليها أوّلاً حتى إذا أقرّها وجبت مباشرة مناقشة الموضوع والتصويت عليه بدون إحالة إلى اللجنة أو اللجان المختصة."، وهنا أيضاً خالف بري هذه المادة، حيث استأثر بحقّ تحديد صفة الاستعجال وحرم الهيئة العامة من دورها التشريعي في تحديد الأمر، وفق المادة المذكورة.
تُضاف هذه المخالفات، إلى جملة من الانتقادات، المباشرة وغير المباشرة، التي وجّهها ويوجّهها النواب، من اتجاهات مختلفة، على مرّ الولايات، والتي تتناول آلية التصويت المعتمدة في الجلسات وطرق تحديد النّصاب والتلاعب بالمحاضر وبموعد الجلسات واللائحة تطول في توصيف إدارة استناسبية وكيدية وغير منتظمة للسلطة التشريعية.
إنّ الانتخابات النيابية، هي حقّ دستوري لجميع اللبنانيين، حقّ غير قابل للتجزئة، وقد كفل الدستور في المادة السابعة منه الأمر بشكل واضح لا لبس فيه "كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتجملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم."، فأين هو تكريس مبدأ المساواة هذا، مع حرمان غير المقيمين من حقّهم في الاقتراع أسوة بالمقيمين؟ وكيف يمكن تبرير حرّية ممارسة العمل الانتخابي عندما يكون نظام الانتخاب مرتبطاً بالتصويت ضمن دائرة هجينة، ويُصبح الأمر مستحيلاً عند ربطه بمكان القيد اللبناني؟ مع العلم أنّ لا قيود على الاقتراع خارجاً وانتخابات الدورة المنصرمة خير دليل، ولا قيود على إمكانية التسويق من داخل لبنان وصولاً إلى كل ناخب في الخارج بظلّ المساحات الإعلامية المفتوحة. إنّ إدارة المؤسسات تتطلّب حدًّا أدنى من التزام الدستور، وعند تقصّد إحدى الرئاسات الثلاث إجهاض هذا الدستور وضرب الحقوق بذرائع واهية لا ترتبط إلا بمصالح وحسابات ضيّقة، يُصبح من الواجب على الرئاستين الأولى والثالثة أن تتدخّل وفق الإطار الدستوري الذي يُتيح لها ذلك، لحماية حقوق مئات آلاف اللبنانيين، وبشكل عاجل وحاسم.