جوسي حنّا

نبيه بري… متى يخلع البذلة الحزبية ويرتدي البذلة الوطنية؟

3 دقائق للقراءة
نبيه بري - تصوير: رويترز

ثلاثة عقود من الجلوس على كرسي رئاسة مجلس النواب اللبناني لم تكفِ نبيه بري ليتحول من زعيم طائفي إلى رجل دولة. منذ 1992 حتى اليوم، لم يعرف البرلمان اللبناني رئيساً غيره، وكأن الكرسي صُمِّم خصيصاً ليتناسب مع مقاساته، وكأن الديمقراطية في لبنان رهينة مفتاح صغير يحتفظ به في جيب سترته.

المجلس النيابي تحوّل في عهده إلى "مجلس مغلق بالشمع الأحمر". يفتحه بري فقط عندما يخدم أجندته وحلفاءه، ويقفل أبوابه في وجه أي استحقاق قد يهدد مصالحه. هكذا عُطّلت انتخابات رئاسة الجمهورية مراراً، وهكذا جُمّدت مشاريع القوانين الإصلاحية، وهكذا دفنت قوانين استقلالية القضاء ومكافحة الفساد في الأدراج. باختصار بري هو الحارس الرسمي لبوابة الجمود السياسي.

إذا نظرنا إلى الماضي، فإنَّ المقارنة فاضحة مع اسلافه، كامل الأسعد، صبري حمادة، حسين الحسيني كانوا رؤساء مجلس حملوا انتماءاتهم السياسية، لكنهم عرفوا متى يضعون "القبعة الوطنية" عند الامتحان. أما الرئيس بري، فقد حوّل المنصب إلى رزق خاص، يتعامل مع البرلمان كأنه ملكية شخصية، لا كأنه مجلس الأمة. الفرق واضح أولئك تحملوا المسؤولية الوطنية، أما هو فتهرّب منها وحوّلها إلى سلطة تعطيل.

الفضيحة الأكبر اليوم هي إصرار الرئيس برّي على حرمان المغتربين من حقهم الكامل بالتصويت لـ128 نائباً. يصرّ على حصرهم بستة مقاعد فقط، لأنه يعرف أن أصوات الخارج لا تسير على إيقاع "الثنائي الشيعي" ولا على إيقاع السلطة المهترئة. ببساطة يخشى الرئيس بري صندوق اقتراع حر أكثر مما يخشى أي أزمة اقتصادية أو انهيار وطني.

إنّ اقتراح القانون المعجّل المكرّر المتعلّق بتعديل قانون الانتخابات النيابية اي اقتراع غير المقيمين ما زال محتجزاً في أدراج رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ، ولم يُحال إلى اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان المشتركة، لأن النظام الداخلي (المواد 109–113) يفرض أولاً إدراجه على جدول أعمال أول جلسة يعقدها المجلس للتصويت على صفة العجلة: فإذا أُقرّت العجلة يُناقش القانون ويُصوَّت عليه فوراً، وإذا رُفضت يُحل عندها إلى اللجنة المختصة وفق الأصول ، لا دفنه في الأدراج أو الالتفاف عليه في لجان فرعية.

‏ومع فتح باب تسجيل اللبنانيين غير المقيمين للاقتراع في انتخابات 2026 من 2 تشرين الأول حتى 20 تشرين الثاني 2025، ان أي مماطلة أو تعطيل باتت خرقاً فاضحاً للقانون وإمعاناً في الاستنسابية.

‏وعليه، على الحكومة أن تبادر فوراً لإرسال مشروع قانون معجّل مكرّر موازٍ، لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتمنع أي محاولة لتضييع حق اللبنانيين غير المقيمين بالاقتراع.

فعلًا نعيش في كابوس لن ينتهي إلا يوم تتكسر القيود داخل الطائفة الشيعية وتتحرر البيئة وتنتفض على الواقع المرير الذي فرضه الثنائي الشيعي عليها وعبر المشاركة الكثيفة ان كان من خلال الترشح في وجه الثنائي او التصويت الكثيف لمصلحة المشروع المعارض لهذا الثنائي. سينتهي هذا الكابوس يوم يتجرأ النواب على انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب. وسينتهي يوم يكسر اللبنانيون أسطورة أن "الرئاسة الشيعية محجوزة لشخص واحد". وسينتهي يوم يدرك الجميع أن الوطنية لا تُقاس بعدد السنوات على الكرسي، بل بقدرة الرئيس على تحرير المجلس من الأسر والهيمنة.

إلى ذلك الحين، سيبقى البرلمان رهينة رجل واحد، وسيبقى اللبنانيون يسألون مع النائب غياث يزبك متى يخلع نبيه بري بذلته الحزبية ويرتدي بذلته الوطنية…

أم أن هذه البذلة اصلًا ليست موجودة في خزانته؟


الناشطة السياسية والاجتماعية جوسي حنّا