صبحي منذر ياغي

الضابط الإسرائيلي "أبو الريش" والأمن السائب...

5 دقائق للقراءة

"شاهدته بنفسي، إنه "أبو الريش" الضابط الإسرائيلي كان يسير بشكل عادي في شارع الحمراء... عرفته تذكرته" هذا ما قالته سيدة لبنانية في شهر تموز من عام 2005 خلال إدلائها بإفادتها في مخفر حبيش، مؤكدة رؤيتها " أبو الريش". و«أبو الريش»الذي اختفى وسط الزحام له قصة طويلة في عالم التجسس الاسرائيلي في بيروت... فهو كان مقيماً في بيروت في الثمانينات في كوخ خشبي في شارع السادات. وفي هذا الصدد، يؤكد الزميل محمد سلام أن "أبو الريش" كان يتظاهر بالجنون والغباء والبساطة والدروشة، يعتمر قبعة عليها ريش كانت السبب في تسميته بهذا اللقب، وكان يستعطي المارة ويقوم بنقل الأغراض لسكان البنايات. كان "أبو الريش" موجودًا في منطقة الروشة حتى كورنيش المنارة وكانت علاقته وطيدة مع كل زوار الكورنيش من المتنزهين الى الرياضيين الى الباعة وسائقي التاكسي. وأثناء دخول القوات الاسرائيلية إلى بيروت في اجتياح العام 1982، وبعد حصول مجزرتي صبرا وشاتيلا، ظهر "أبو الريش" فجأة بلباس عسكري على حاجز للقوات الاسرائيلية في منطقة بئر حسن، ليتبين أن هذا الشحاذ المخبول هو من ضباط "الموساد" الاسرائيلي، وكان يعرف كل كوادر الأحزاب اليسارية اللبنانية، والمنظمات الفلسطينية. كان "أبو الريش" المسؤول عن رصد القوات السورية التي كانت متمركزة في ملعب "النهضة"، وهو الذي أمّن قصف هذه القوات من المروحيات الإسرائيلية من فوق البحر في اللحظات الأولى لبدء الهجوم الاسرائيلي عام 1982 عبر إشارات لاسلكية كان يبثها للمروحيات، وقد تم تدمير المركز السوري بأكمله.


انطلاقاً من هذه الرواية نسأل: "كم "أبو الريش" تبيّن أنه موجود داخل مجتمعنا، وبالتحديد داخل بيئة حزب الله "، وقد تم الكشف عن الكثير منهم خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان؟ رغم أن أوساط الحزب دوماً تخفف من وطأة هذه الظاهرة المتزايدة، بردها الى التفوق الاسرائيلي في مجال العالم السيبراني الالكتروني، إلا أن ذلك لا يعني أبداً انتفاء دور العامل البشري العملاني، المساعد على الأرض، فمهما تطورت التكنولوجيا، فهي بحاجة دائماً للقدرات البشرية، كما يقول ماوتسي تونغ في إحدى نظرياته "العقيدة أهم من الفرد، والفرد أهم من السلاح"...


فالمصادر تؤكد، أن قيادة "حزب الله" وبعد ما حصل من تطورات أمنية خطيرة، ابتداء من (عملية البيجر) في شهر أيلول 2024 ، وصولاً الى موجة الاغتيالات، والاستهدافات التي طالت قيادات الصف الأول، وصولاً الى اغتيال أمين عام الحزب ومن بعده خليفته صفي الدين، شرعت في إعادة تنظيم بنية الحزب العسكرية، لسد الثغر والاختراقات الامنية التي يعاني منها الحزب. وعملية إعادة التنظيم تجري بالتنسيق مع كبار ضباط الاستخبارات الايرانية، والتي تركز على إجراء مناقلات وتغييرات في كافة أجهزة الحزب، واعتماد السرية المطلقة والاستفادة من الأخطاء الماضية.


وتشير دراسة أمنية لجهاز استخبارات أوروبي في مقدمتها" الى أن اسرائيل ومنذ انتهاء حرب تموز 2006، عمدت الى تغيير استراتجيتها العسكرية من خلال منح الأجهزة الاستخباراتية في الدولة العبرية صلاحيات، وامكانات واسعة ومطلقة، للعمل في الساحة اللبنانية على جمع المعلومات والرصد والتدقيق، وتمكنت هذه الأجهزة من مسح كامل الأراضي اللبنانية، من خلال استخدامها أنظمة التكنولوجيا المتطورة، وطائرات الاستطلاع، والأقمار الصناعية، والتنسيق الأمني مع أجهزة استخباراتية صديقة، ومن خلال العملاء وخلايا ومجموعات، تم تجنيدها من مختلف الجنسيات والطوائف، حتى تمكنت من تنظيم ( داتا) من المعلومات المفصلة الدقيقة والهائلة.

وظهرت نتائج هذا النشاط الأمني الاسرائيلي المكثف والهائل، على أرض الميدان منذ بداية حرب الإسناد في 8 تشرين الأول 2023 حتى اليوم.

ويعتبر ضابط أمني لبناني (سابق) ، أن ركيزة أي حرب تقوم على الاستعلام المسبق ، والتقصي والرصد، وتفوق أي جيش، يكون من خلال ما توفره له الأجهزة الأمنية من معلومات عن العدو، لذا فإن ما جرى في لبنان ، أظهر بكل وضوح قدرات اسرائيل الامنية وتفوقها في هذا المجال، وهذا ما يتطلب منا أن نكون واقعيين براغماتيين لا أن نبالغ في الشعارات والمواقف، وأن تكون معالجتنا للواقع بطريقة علمية وواقعية.

فالمعلومات تؤكد وجود خلايا ومجموعات ارهابية في لبنان، تنتظر لحظة صدور التعليمات لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات في الداخل، وهذه الخلايا ترتبط بجهات استخباراتية خارجية، في حين كشفت مصادر عن تمكن الأمن العام اللبناني من إحباط مخطط إسرائيلي كان يستهدف تنفيذ تفجيرات متزامنة خلال إحياء ذكرى الحرب عند مرقد السيد حسن نصر الله وفي المدينة الرياضية. وذكرت المعلومات المتداولة عن دور فاعل في هذا المخطط لشخص أجنبي يدعى “مارتين”، يقيم في ألمانيا ويتنقّل في أوروبا وأنه المشغّل الأساسي الذي كان يتواصل مع عناصر الشبكة عبر تطبيقات مشفّرة، دون معرفة مباشرة بينهم.


وبرأي نائب لبناني أن تحصين الساحة اللبنانية الداخلية لا يكون فقط من خلال تكثيف عمل ألاجهزة الآمنية لأن هذا لن يمنع حصول اختراقات، بل عبر تفويت الفرصة على أي عدو، من خلال العمل على حماية مجتمعنا، وترسيخ وحدة المجتمع اللبناني، بعد نزع فتائل الانقسامات، وأسباب الخلافات التي أدت الى حدوث شرخ داخلي في هذا المجتمع، وإلا كيف ستتم عملية تحصين واقعنا وحماية سلمنا الأهلي، وما زال الانقسام الداخلي حول عدة أمور أبرزها: سلاح الحزب ومخاوف البعض منه وعمن له الحق في قرار الحرب أو السلم، فضلاً عن الحالة العدائية القائمة بين النسيج اللبناني المتنوع؟

فمن يحمي وطننا من "أباء الريش" الجدد، ومن الأمن السائب، اذا بقينا في ظل هذا الصراع، وفي ارتباطاتنا الاقليمية، ومشاريعنا الخارجية، وفي غياب الدولة القادرة؟