تنتشر عالميًا وفي الواقع اللبناني، بسبب تداعيات سلبية للعولمة والتطوّر المحض تكنولوجي وبالرغم من امتداد العدالة الدستورية، حالات حيث تصدر نصوص قانونية ولا نقول تشريعات لإيهام الناس بالتغيير. تفتقر غالبًا هذه النصوص إلى الفعالية ثم تليها سجالات في سبيل تعديل هذه التشريعات ثم تعديلات على التعديلات بسبب عدم التطبيق أو سوء التطبيق مما يؤدي إلى تضخم تشريعي. يُشغل طبعًا هذا التضخم المحامين بدون فاعلية في حياة الناس والحياة العامة.
تنطلق هذه الاعتبارات من دراسة شاملة في لبنان لواقع القوانين في التطبيق. أكثر التشريعات غير مطبّقة عمليًا. أجريت جردة شاملة، منهجية وعلمية وتطبيقية بالتعاون مع اللجنة البرلمانية لمتابعة تطبيق القوانين التي كانت برئاسة النائب السابق والوزير الحالي ياسين جابر (أنطوان مسرّه وربيع قيس، إشراف، القوانين في لبنان في التطبيق: تحفيز ودعم تطبيق القوانين، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم واللجنة البرلمانية لمتابعة تطبيق القوانين ومؤسسة كونراد أديناور، المكتبة الشرقية، جزء 48، 2022، 522 ص + 32 ص بالأجنبية، وفهرست بالقوانين ص 33-42). الحاجة قصوى في أي تشريع بعد اليوم إلى إرفاقه بأسباب موجبة وأيضًا بدراسة جدوى étude d’impact كما يحصل حديثًا في العديد من المجالس البرلمانية.
***
ما معنى موجبة في ما يوصف بالأسباب الموجبة؟ تقتصر غالبًا الأسباب الموصوفة بالموجبة بذكر غموض أو نقص أو ثغرة في قانون سابق ومواجهة نصوص بنصوص، في حين أن تعبير موجبة يتطلب الاستناد إلى الواقع، وواقع الواقع في الإدارات العامة والمالية العامة والصعوبات والتحوّلات والإجراءات والتدابير والعوائق والحظوظ العملية والعملانية والتطبيقية. على سبيل المثال تمّ تعديل قوانين الكهرباء 17 مرة بدون إصلاح قطاع الكهرباء وإيصال الكهرباء بانتظام إلى المصانع والمؤسسات وعامة الناس.
***
وما معنى دراسة جدوى étude d’impact؟ لا تقتصر دراسة الجدوى على الضرورة والحاجة، بل تشمل الشروط الإدارية والمالية والتنفيذية التي تحقق الفعالية والتطبيق. على سبيل المثال إن التشريع الأخير حول القضاء يتضمن بنودًا تنظيمية وأسبابًا موجبة تفتقر إلى ذكر حالات ووقائع وأوضاع عطّلت وتُعطّل فاعلية العدالة. إنه يفتقر إلى رؤية بالعمق حول جذور ومنابع الحالة القضائية السابقة والتي تكمن في منابعها وانطلاقًا من الاختبار من آليات التعيين والانتساب إلى القضاء وتدريب القضاة. سبق أن عقدت ندوة عالمية في معهد الدروس القضائية للبحث في التعيين والتدريب. كنت أتساءل في داخلي بصفتي أستاذًا في معهد الدروس القضائية كيف وصل بعض المتدرجين إلى المعهد وبأي أشكال في المباراة والتعيين! وكان يشاطرني في الموقف بعض القيّمين على المعهد وشكواهم في بعض أشكال المباراة والتعيين (أنطوان مسرّه، «الملامح الشخصية للقاضي وتأهيل القضاء اليوم»، المجلس الدستوري، الكتاب السنوي، المجلد 12، 2018، ص 131-140، وبشأن واقع القضاء والعدالة في لبنان: مقابلة مع رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود ورئيس معهد الدروس القضائية سابقًا، نداء الوطن، 24/9/2025). في السنوات الأخيرة في معهد الدروس القضائية هؤلاء الذين نعتبرهم قلة من المتدرجين غير الكفوئين في سلوكياتهم والذين سلكوا مسارات زبائنية سوف يتبوأون من خلال علاقات زبائنية مراكز عليا طوال أكثر من ربع قرن ويُفسدون مسار العدالة في لبنان والثقة بالعدالة.
لا تشريع بعد اليوم بدون إرفاقه بدراسة جدوى أي الفعالية التطبيقية. ليست الجدوى مجرد سرد نقص في التشريع والضرورة. تعني الجدوى الشروط الإدارية والمالية والعملانية والإجرائية في المتابعة في قلب المجتمع وفي سبيل تحويل القانون والقوانين من نصوص إلى حالات معاشة تنفيذية ووقائع وإصلاح وتنمية. هكذا تتحوّل القوانين كنصوص إلى تشريعات واقعًا في فلسفة الحقوق بالذات حيث أن القانون يتصف بالزاميته impératif وإلا يفقد صفته في عدم التطبيق أو تعثر التطبيق أو انعدام الشروط الملازمة للتطبيق:
Premier ministre, Secrétariat général du gouvernement, Mémento pratique : Comment rédiger une étude d’impact ?, site internet.
اعتاد قانونيون ذهنيًا وممارسة على تقنيات الادعاء والدفاع لدرجة أنهم قد يصبحون عاجزين عن إدراك المعايير الحقوقية التأسيسية ومقاربة الواقع وحظوظه وصعوباته وعوائقه والفاعلية الحقوقية وكيفية الممارسة الحقوقية في المجتمع الكلي والحياة السياسية العامة:
Eric Millard, « Le réalisme juridique », ap. Denis Alland et Stéphane Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 1297-1299.
***
إن عدم التقيّد بإصدار أسباب موجبة بالمعنى الموجبة، وليس مجرد تبريرية شكليًا، وعدم إرفاق تشريع بدراسة جدوى بمعنى الجدوى، وليس مجرد الضرورة، هو نقيض لجوهر وهدفية روح الشرائع. إنه نقيض النظرية التأسيسية في الواقعية الحقوقية réalisme juridique. إنها حاجة قصوى في عالم اليوم كما يذكر رئيس المجلس الدستوري الفرنسي Jean-Louis Debré سابقًا في كتابه.
Jean-Louis Debré, Ce que je ne pouvais pas dire, 2007-2016, Laffont, 2016, 360 p.
عضو المجلس الدستوري، 2009-2019