ثلاثة عقود مرّت، والوجوه لم تنسَ، والأسماء لم تُمحَ… لكن بعض الأسئلة لا تزال بلا جواب. أكثر من 17 ألف مفقود في الحرب اللبنانية، وآلاف العائلات ما زالت تنتظر، تبحث عن ذويها وسط فراغ لم يملأه الزمن. بين هذه العائلات، شابة تدعى ليال بيضون، تبحث عن جدّها المفقود منذ أكثر من ثلاثين عامًا، منذ أيام الحرب التي لم تترك أثرها على الجسد فقط، بل امتدّت إلى الروح والأجيال، لتترك جراحًا تتوارثها الذاكرة جيلًا بعد جيل.
"عشت طفولتي على قصصه قبل أن يختفي. كل صورة، كل دفء، كل ذكرى، أشعر به معي، وكأن غيابه يزداد ثقلًا يومًا بعد يوم. الكتابة هي طريقي للبقاء على اتصال، صرختي في وجه الغياب"، تقول ليال في حديث خاص لـ"نداء الوطن" بصوت خالٍ من الابتسامة لكنه مليء بالأمل.
جدتها، التي ربّتها على الصبر والوفاء للذكرى، كانت تردّد دائمًا: "الانتظار لا يعني الاستسلام، والكتابة والحفظ للذكرى طريقة للوفاء بما فقدناه".
ذاكرة لا تموت
لم تكن الحرب اللبنانية (1975 – 1990) مجرد خطوط تماس وانقسام سياسي، بل كانت حربًا على الذاكرة أيضًا. فبين ركام المعارك، طُويت ملفات آلاف المفقودين الذين لم يُكتب لهم أن يعودوا. خمسون عامًا مرّت، وما زالت العدالة الانتقالية في لبنان غائبة، لتبقى قضية المفقودين الجرح الأعمق في ذاكرة الوطن.
ورغم محاولات النسيان، ترفض الأمهات والأحفاد إسدال الستار على هذا الملف الذي يمثل الوجه الإنساني الأكثر وجعًا للحرب اللبنانية.
جراح الحرب التي لا تندمل
رغم توقف أصوات المدافع، إلا أن صدى الحرب ما زال يتردّد في وجدان اللبنانيين. تشير تقديرات المفوضية الدولية لشؤون المفقودين إلى أن نحو 17,415 شخصًا اختفوا خلال الحرب، فيما ترجّح تقديرات أخرى أن العدد الفعلي يتراوح بين 7,000 و10,000 مفقود.
هذه الأرقام ليست مجرّد إحصاءات، بل هي قصص مقطوعة، وأحلام توقفت فجأة، وأسماء ترفض أن تُمحى من الذاكرة.
تقول ليال: "كل رقم هو حياة توقفت فجأة، وكل اسم هو عائلة تنتظر جوابًا لا يأتي".
ورغم إنشاء اللجنة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا عام 2018، فإن الطريق إلى الحقيقة لا يزال مليئًا بالعقبات: نقص في الموارد، بيروقراطية خانقة، ولامبالاة سياسية. ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بات هذا الملف يتراجع في سلّم الأولويات، وكأن الغياب مضى في طيّ النسيان، رغم أنه ما زال حيًا في وجدان آلاف العائلات.
حين يتحوّل الانتظار إلى هوية
من رحم هذا الانتظار الطويل، وُلد جيل جديد لم يعش الحرب مباشرة، لكنه ورث آثارها بكل ثقلها النفسي والاجتماعي.
تضيف بيضون: "عائلتي لم تستطع التعويض عن فقد جدي. أحيانًا أشعر بالعزلة، وكأن جزءًا مني مفقود أيضًا. كل ذكرى عنه هي سيف يقطع قلبي، والكتابة هي الشيء الوحيد الذي يحميني من الغرق في الألم. أكتب لأبقى على اتصال معه، لأحافظ على صورته، لأجد بصيص أمل وسط فراغ امتد لعقود".
الفراغ الذي تركه المفقودون لا يقتصر على الفقد الفردي، بل يتحوّل إلى فقد جماعي للطمأنينة والانتماء. الجيل الجديد يعيش بين سردين متناقضين: سرد العائلة الباحثة عن الحقيقة، وسرد الواقع الصامت الذي لا يقدّم إجابات. هذا التناقض يولّد شعورًا دائمًا بالاغتراب والحنين، ويجعل الكتابة والتوثيق شكلًا من أشكال المقاومة ضد النسيان.
تقول الباحثة الاجتماعية د. رنا خوري لـ "نداء الوطن: "الصدمة الجماعية التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب لم تنتهِ بانتهاء القتال، بل تحوّلت إلى إرث نفسي معقد داخل العائلات، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي وُلدت في ظل الصمت لا في ظل الحقيقة. هذه الصدمة لا تقتصر على الحزن الشخصي، بل تمتد لتؤثر على الهوية والانتماء والثقة بالمجتمع والدولة. فقدان شخص دون معرفة مصيره يولّد جرحًا نفسيًا مفتوحًا، يؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية، ويترك شعورًا دائمًا بعدم الأمان والاغتراب الداخلي. لا يلتئم هذا الجرح إلا بالاعتراف الرسمي بالحقائق، ومواجهة الماضي بجرأة، وتوفير العدالة والمساءلة، لأن الصمت والنسيان يكرران الألم في كل جيل جديد".
البحث عن الحقيقة واجبنا الجماعي
وانطلاقًا من تجربتها الشخصية، تؤكد ليال أن "معالجة ملف المفقودين ليست مهمة فردية، بل مسؤولية وطنية وإنسانية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معًا. دعم اللجنة بالموارد، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية، وتمويل مشروعات مطابقة الحمض النووي، هي خطوات أساسية لمعرفة مصير المفقودين وإعادة الكرامة لعائلاتهم".
وتضيف: "رفع مستوى الوعي المجتمعي حول أهمية توثيق الشهادات واستمرار البحث واجب إنساني قبل فوات الأوان. كل يوم يمرّ بلا متابعة دقيقة يزيد من صعوبة العثور على إجابات، ويترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الأجيال القادمة. نحن بحاجة إلى تحرك عاجل من الدولة والجمعيات وكل من يملك القدرة على المساعدة، ليس فقط لإيجاد مفقودينا، بل لإعادة الطمأنينة إلى حياتنا".
صوت الأهالي: نضال لا يهدأ
وفي سياق متصل، أكدت وداد حلواني، مؤسسة لجنة أهالي المفقودين والمخفيين قسرًا، في تصريح خاص لـ "نداء الوطن"، أن ملف المفقودين والمخفيين قسرًا في لبنان بلغ من العمر خمسين عامًا، وما زال مصير العديد منهم مجهولًا.
وقالت حلواني: "لقد خضنا خلال هذه السنوات الطويلة مسارًا نضاليًا صعبًا وطويلاً، واجهنا خلاله العديد من المطبات والأفخاخ، إضافة إلى عدم اكتراث بعض المسؤولين لهذه القضية، والانقسامات الطائفية التي شكلت تحديًا إضافيًا".
وأضافت: "لكن القاسم المشترك الذي جمعنا، وهو خطف أحبائنا، جعلنا نتحد ونشكل طائفة عابرة للطوائف. ومن خلال هذه الوحدة، تمكنا من الحفاظ على القضية بعيدًا من وصاية أي طرف سياسي أو طائفة".
واستعرضت إنجازات هذا المسار الطويل، قائلة: "خلال 43 عامًا من النضال، شكلنا إطارًا من الأصدقاء من أفراد وهيئات مجتمع مدني، وبفضل هذا الدعم حققنا قفزات مهمة إلى الأمام، حتى استطعنا بعد 36 عامًا من النضال، في عام 2018، انتزاع قانون المخطوفين والمخفيين قسرًا رقم 105".
وتابعت: "بموجب هذا القانون صدر أول مرسوم تطبيقي في العام 2020 لتشكيل هيئة وطنية مستقلة مكلفة بمهمة تقفي أثر المفقودين والكشف عن مصيرهم، وقد انتهت ولاية أعضاء الهيئة الأولى في تموز 2025، وتم تعيين أعضاء جدد لاستكمال المهمة".
وأوضحت حلواني أن التحدي الأكبر لا يزال في "عدم تزويد الهيئة بالمقومات الأساسية التي نص عليها القانون 105 لعام 2018، الأمر الذي يعيق تقدمها في تحقيق الهدف الأساسي: معرفة مصير جميع المخطوفين والمخفيين قسرًا، سواء كانوا أحياء أو أموات".
وختمت بالقول: "نأمل في أن تتيح الولاية الثانية للهيئة الوطنية الحصول على كل ما يلزم من مقومات، لتواصل العمل وتحقيق خطوات ملموسة لتطبيق القانون ومعرفة الحقيقة، وإعادة الكرامة لعائلات المفقودين".
صرخة أمل لا تنطفئ
ورغم ثقل الغياب، تبقى صرخة الأمل أقوى من اليأس. فكل يوم يمر بلا إجابة يزيد الحنين، لكنه أيضًا يُعيد تجديد الإصرار. في نهاية حديثها، تقول ليال: "كل ما أريده هو معرفة الحقيقة، وإغلاق هذا الجرح الذي يترك أثره فينا جميعًا".
الحرب انتهت على الورق، لكن آثارها على القلوب لم تنتهِ. ومع كل قصة تُروى، وكل ذاكرة تُحفظ، تبقى صرخة العائلات اللبنانية تذكيرًا بأن البحث عن المفقودين ليس خيارًا، بل واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا، ومسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.
ربما لن تعود كل الوجوه، لكن بقاء الأسماء حيّة في الذاكرة هو المعركة الأخيرة ضد النسيان… فحين تكتب ليال، لا تبحث فقط عن جدّها، بل تكتب حكاية وطن ما زال يبحث عن نفسه.