أيّها السيدات والسادة، مرحبًا بكم في زمن القرف العظيم، حيث لم يعُد القرف شعورًا عابرًا، يأتي ويذهب مثل إعلانٍ مملّ عن مسحوق غسيل، بل صار مذهبًا معترَفًا به رسميًّا. له أتباعٌ، وطقوسٌ صباحية، وله أيضًا نشيده الخاص، يُعزف على نغمة "يا ليل يا عين"، إنما بإحساس "يا رب خلّصنا".
لقد دخلنا عصر القرف المؤسَّس، القرف النظامي، القرف المدعوم رسميًّا بشعار "انتعِش رغم كل شيء"، صار القرف جزءًا من منظومة الإنتاج العالمية، يُسوَّق، يُعاد تدويره، ويُقدَّم بنكهاتٍ جديدة كل موسم.
القرف من الحروب، ذلك النوع الفاخر من القرف، يبدأ بالوعود وينتهي بالدم، مثل إعلانٍ عن عطرٍ رجاليّ جديد ينتهي بانفجارٍ كيميائيّ.
القادة يتحدثون عن النصر كما يتحدث بائع الأقمشة عن الخامة الممتازة. يبتسمون للكاميرا، يلوّحون بالأيادي، ثم يذهبون لاحتساء القهوة، بينما الناس تحصي الجثث كما تحصي حبوب الأرز في وجبةٍ فاسدة.
كل طرفٍ يقول: قضيّتنا عادلة. وكأن العدالة تطبيق مجانيّ يمكن تنزيله بلا شروط. ثم يأتينا الخبر العاجل "الهدنة قيد الدرس". طبعًا، الهدنة دائمًا قيد الدرس، كأنها مشروع تخرّج من جامعة لم تُعتمد بعد.
والسلام؟ قادم. نعم، مثل طردٍ بريديّ ضائعٍ في مجرّةٍ موازية، نتابع رحلته منذ قرنٍ وساعي البريد ما زال يسأل عن العنوان.
الديناصور السياسي
"السلام"، هذا الكائن الأسطوري، نقرأ عنه كما نقرأ عن حديقة الحيوانات المنقرضة. كلّما اقتربنا منه يظهر خبير استراتيجيّ ليقول إنّ السلام ممكن، ولكن بشروط. شروط أكثر من شروط قرضٍ مصرفيّ، في الزمن الذي كان، لشخصٍ بلا وظيفة. والنتيجة دائمًا واحدة لا سلام، ولا حتى قيلولة قصيرة من الكراهية.
تطبيق لا يُحذف
التطرف لم يعُد ظاهرة، صار تطبيقًا إجباريًّا في كل جهازٍ بشريّ. حتى لو حذفته، يعود تلقائيًّا بعد التحديث. في الماضي كان المتطرِّف يختبئ تحت ستين رأي، اليوم يخرج في بثّ مباشرٍ على "تيك توك" ويقول: "يا جماعة اضغطوا لايك قبل أن أُكفِّركم".
كلّ واحدٍ يظن نفسه المخلّص، والباقون أغبياء ضالّون يحتاجون إلى "صفعةٍ روحيةٍ" على وجوههم.
صار التطرُّف مهنة مربحة: تصرخ قليلًا، تحصل على متابعين؛ تشتم أحدًا، تُمنح برنامجًا حواريًّا.
نعيش عصر الجهل المؤثر، حيث الغباء صار "ترندًا" رسميًّا، والموضوعية خيارًا مدفوعًا لا يشترك فيه أحد.
المذبحة الرقمية
وسائل التواصل ليست لا وسائل ولا تواصل، هي حلبة مصارعةٍ تُدار بخوارزميةٍ تحب الدماء المجازية.
في "إكس" مثلًا يمكن أن تبدأ حديثًا عن الأحوال الجويّة وتنتهي متَّهَمًا بالخيانة الوطنية.
في "إنستغرام"، الناس تبتسم بأسنانٍ بيضاء بينما قلبها يحترق بالضرائب والقروض.
وفي "تيك توك"، هناك جيلٌ يتعلّم الحكمة من أشخاصٍ لا يعرفون الفرق بين "الطاقة الإيجابية" و "الكهرباء الساكنة".
صار الغضب نشاطًا ترفيهيًّا، والجدال رياضة أولمبية. الكلّ يوزّع شهادات غباءٍ فخريّة على الجميع، والنتيجة ضوضاء جماعية بنغمة: ههههههه.
أكثر من اللازم
بعض الكلمات في عصرنا فقدت معناها كما يفقد الهاتف شحنه بعد تحديثٍ فاشل. فكلمة "قيَم" تُستعمل في إعلانٍ عن معجون أسنان، والحرية تُباع مع اشتراكٍ شهريّ في منصة بثّ. أما المبادئ فتُذكر فقط عندما يريد أحدهم تبرير رشوةٍ أو صفقةٍ مشبوهة.
وصار الخطاب العام كقطعة علكةٍ ممضوغةٍ منذ القرن الماضي، بلا طعم، بلا لون، لكننا نواصل مضغها من باب العادة أو اليأس.
ابتسم وإلّا!
هناك نوعٌ جديدٌ من القرف اسمه: "الإيجابية السامة". هؤلاء محترفو التنمية البشرية الذين يستيقظون كلّ صباح ليقولوا لك: "ابتسم، الكون يحبّك!" يا أخي، كيف ذلك؟ العالم يحترق، الإنترنت ينهار، البنزين أغلى من العطر، والجار يشوي سمكًا منذ ثلاثة أيام! ثم يأتيك أحدهم بكتابٍ عنوانه "كيف تكون سعيدًا في ثلاث خطوات". يا صديقي، أعطني هواءً نقيًا أولًا!
لقد صار التفاؤل مهنةً مدفوعة والابتسامة عقد رعاية، كما صرنا نحتاج دوراتٍ تدريبيةً كي نتعلّم كيف نكبت الصراخ ونحن نجذب الطاقة الكونيّة.
الاصطناع المبرمج
القرف من كل شيءٍ مفلترٍ ومصقولٍ كأنه إعلان لشركة مناديل. من المؤثرين الذين يعيشون في بيوتٍ بيضاء لا يعرفها الغبار، ومن المحلّلين السياسيّين الذين يغيّرون آراءهم أسرع من تنبؤات الأحوال الجويّة. القرف من نشرات الأخبار التي تبدأ بموسيقى بُطوليّة وتنتهي بمقاطع جنازات. من سؤال "كيف حالك؟" الذي لا ينتظر إجابة، إلى عبارة "رأيي الشخصي" التي تسبق عادةً جريمة فكرية.
الأستاذ الذي لا يتقاعد
"التاريخ"، ذاك المعلّم العجوز الذي يكرّر الدرس نفسه منذ آلاف السنين. نعيد الأخطاء نفسها، لكن بخطّ جديد وشعار أحدث. نغيّر أسماء الطغاة فقط، أما الوجوه فتبقى مطبوعة على الورق الرسميّ. يبدو أنّ البشر لا يتعلّمون، بل يعيدون التجربة على أمل أنّ التطبيق سيعمل هذه المرة، لكنه لا يعمل، والإنسانية تستمر في وضعية الصيانة.
بطولة العالم في الصبر
نحن أبطال العالم في الانتظار. ننتظر الإصلاح، ننتظر الوعي الجماعي، ننتظر انتخاباتٍ نزيهة كما ننتظر إشارة "الواي فاي". ننتظر أن يعتذر أحدٌ عن خطأ، في حين أنّ الاعتذار صار مخلوقًا خرافيًّا مثل العنقاء. نحن جيلٌ يجلس في محطة القطار منذ خمسين سنة، والقطار يمرّ كل مرة على المسار الآخر، ثم يلوّح لنا السائق من بعيد ويقول: "في الرحلة القادمة!".
فلسفة المراوغة
وهناك القرف من الواقعية السياسية، هذا المصطلح الأنيق الذي يعني باختصار: "اخضعْ واصمتْ". يُستعمل لتبرير كل خيانةٍ تحت شعار: هكذا تسير الأمور. ثم يخرج خبيرٌ اقتصاديٌّ يشرح لنا الفقر وكأنه ظاهرة طبيعية مثل المطر، ويبدأ البيان الرسمي بجملة: "نودّ أن نطمئن المواطنين…" لكن لا أحد يطمئِنّ، ولا حتى كاتب البيان نفسه.
الاعتياد
أما أخطر أنواع القرف فهو الاعتياد. حين يصبح القبح طبيعيًّا، والغباء وجهة نظر، والظلم جزءًا من المنظومة. حين نرى الجثث فنقول: "على الأقل الجوّ دافئ"، وحين نضحك على الكارثة كما نضحك على نكتةٍ منسية. نعم، القرف الحقيقيّ هو أن تفقد الحسّ، أن تتعايش مع الكارثة كأنها خلفية شاشة.
ومع ذلك نضحك!
وسط هذا الكرنفال الكونيّ للقرف، نحاول، نحن البسطاء، أن نضحك. نضحك لأنّ الضحك صار آخر شكلٍ من أشكال النجاة. نضحك على الفقر، على السلطة، على أنفسنا، لأنّ السخرية آخر ما تبقّى من إنسانيتنا. فحين ينهار المنطق، ينهض الهزل ليحمل الشعلة، العالم صار عرضًا كوميديًّا طويلًا، لكنّ الممثلين لا يعلمون أنهم على المسرح. كلٌّ يظن نفسه الكاتب والمخرج والبطل، ولا أحد يريد أن يُغلق الستار.
القرف أننا جميعًا ممثلون متعَبون في مسرحيةٍ بلا جمهورٍ سوى أنفسنا. ومع ذلك، هناك جمالٌ غريبٌ في هذا القرف. جمال أن نرى العبث بوضوح، أن نسمي الأشياء بأسمائها، أن نعترف بأن العالم ليس بخير. فالقرف، مهما كان لزجًا وثقيلًا، دليلٌ على أنّ فينا شيئًا يرفض التبلّد، شيئًا لا يزال يحتجّ، يصرخ، يضحك رغم كل شيء.
اضحكوا فالبديل أسوأ
إذًا، يا رفاق القرف النبلاء، ارفعوا شعار المرحلة: اضحكوا فالبديل أسوأ، اضحكوا من هذا القرف الكونيّ ولو أنّ الضحك لا يُغيّر الواقع، لكنه يذكّركم أنكم ما زلتم أحياء، وأنكم، رغم كل هذا العبث، لستم جزءًا من كل هذا القرف بل شهوداً عليه، وما زلنا نبحث عن المسؤول في المرآة.