نبيل يوسف

"حرب المئة يوم": صمودٌ كبير وانتصارٌ أوّل للمقاومة اللبنانية (الجزء الأوّل)

8 دقائق للقراءة
أكثر من 30 ألف قذيفة سورية سقطت على الأشرفية

طوال صيف 1978، ظلّت المنطقة الشرقية تتلقى طوفان القصف السوري وراح جحيم النار والتدمير يلفها. كان الأسبوع الأول من أيلول قمّة الجحيم الذي عاشته المنطقة الشرقية خاصة الأشرفية، في تسابق واضح مع الحلول السلمية.

أمّا الفترة ما بين الأسبوع الأخير من شهر أيلول والأسبوع الأول من شهر تشرين الأول، فكانت جهنمّ حقيقية. وأجمعت الصحف المحلية والعالمية على وصف نهار الخميس 30 أيلول بأسوأ أيام الحرب اللبنانية منذ 1975. وقدّرت مصادر أمنية لبنانية عدد القذائف السورية التي سقطت على الأشرفية وحدها حتى الساعة الثالثة والنصف من بعد الظهر موعد وقف إطلاق النار بنحو 4 آلاف قذيفة مختلفة العيارات من 260 ، 175 ، 160 ، 155 ، 122 ملم، إضافة إلى القذائف المضادة للطائرات، حتى لم يبق متر واحد في الأشرفية لم يصب ولو بشظية. لكن الأشرفية وباقي أحياء بيروت الشرقية صمدت، ومن أهم عوامل الصمود يومها كان وجود الرئيس كميل شمعون والشيخ بشير الجميل داخل الأشرفية.

أسفرت اشتباكات هذا النهار الطويل عن استشهاد الصيدلي ميشال بارتي أحد قادة "القوات اللبنانية" الموحدة ومؤسّس جيش التحرير اللبناني خلال حرب السنتين، وهو أحد التنظيمات المنضمّة إلى القيادة الموحدة لـ "القوات اللبنانية"، وأصيب في صيدليته في الأشرفية لدى تعرّضها لقذائف صاروخية بشظية في رأسه صرعته، وأصيب معه عدد من رفاقه.

لم يصمد وقف إطلاق النار ساعات قليلة، لتعود وتكمل القوات السورية دكّ المنطقة الشرقية دكًّا عنيفًا بهدف فرض الاستسلام على الجبهة اللبنانية التي صمدت قياداتها رافضة الاستسلام.


مباحثات أممية حول الوضع المتفجّر

في مقابل جحيم القصف السوري، بدأت في الأمم المتحدة في الأسبوع الأول من تشرين الأول مباحثات جدية لإيجاد حلّ للوضع المتفجّر في لبنان وأقله بداية، وقف إطلاق النار قادها مندوب لبنان في الأمم المتحدة السفير غسان تويني، الذي التقى عددًا من وزراء خارجية كانوا في الأمم المتحدة، أبرزهم وزراء خارجية فرنسا لويس دو غيرنغود والسعودية سعود الفيصل والكويت صباح الأحمد الصباح والإمارات العربية أحمد خليفة السويدي. لكنه لم يستطع الاجتماع بوزير الخارجية الأميركي سايروس فانس الذي كان دائم الاعتذار، فتكفل وزير الخاريجة الفرنسي الاجتماع به.

الثلثاء 3 تشرين الأول، التقى وزير الخارجية الأميركي نظيره الفرنسي. وكان الوزير الأميركي متبنيًا وجهة نظر الحكم السوري محمّلًا الجبهة اللبنانية مسؤولية تدهور الوضع.

ثمّ عاد واجتمع وزير الخارجية الأميركي بوزراء خارجية السعودية والكويت والإمارات وتأكّد له أن الوزراء العرب لا يتبنون وجهة النظر السورية، معتبرين أن الوضع هو اليوم إنساني وممّا قالوه للوزير الأميركي إنه لا يمكن للجيش السوري أن يبقى في مدن وشوارع وأحياء مرفوضًا فيها من الأهالي.

اجتماعات وزير الخارجية الأميركي مع نظرائه سهّلت لقاءه مع السفير تويني، الذي قدّم له مطالعة مفصّلة عن الوضع في لبنان.

لدى انتهاء الاجتماع، أشار السفير تويني لدى سؤاله عن الحلّ المقترح للبنان، إلى أن "الحلّ بحدّ ذاته كلمة يصعب استخدامها في السياق الحالي، لكنني أعتقد أنه مع استحالة التفاؤل في ظلّ هذا الدمار، إلّا أنه من الإنصاف القول إن الجهود المبذولة والنوايا الحسنة من جميع الأطراف بما في ذلك الرئيس الأسد كافية للتوصّل إلى حلّ والحلّ الذي نسعى إليه كحكومة لبنانية، هو إعادة تعريف الخطة الأمنية وإعادة تعريف استخدام قوات الردع السورية أو بالأحرى العربية".

يبدو أن الأمور تحلحلت مع الإدارة الأميركية، فصرّح متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بأن الولايات المتحدة تبذل جهودًا موازية ومتكاملة دعمًا للمقترحات الفرنسية وأن سايروس فانس يعتقد أن وقف إطلاق النار في لبنان أمر أساسي ومستعجل.

رغب الحكم السوري ملاقاة اتصالات الأمم المتحدة، فشهد نهار الثلثاء 3 تشرين الأول طوفانًا من القصف المدفعي، استهدف بشكل خاص الأشرفية. ولم يوفر باقي أحياء بيروت الشرقية وضواحيها الشمالية والشرقية وصولًا إلى جونيه ومحيط القصر الجمهوري في بعبدا.

في تقرير رفعه بيار غوبيران رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي في لبنان مساء ذلك الثلثاء، أشار فيه إلى أنه "تم تسجيل في آخر 24 ساعة قرابة 500 قتيل وجريح في بيروت الشرقية".

أضاف أن سحابة من الدخان غطّت طوال النهار بيروت الشرقية والناس هناك يعانون من نقص حادّ في الطعام وانقطاع كامل لخدمات المياه والكهرباء والهاتف وجميع المتاجر مقفلة، وفي ما خصّ وضع المستشفيات أشار إلى أنها أصبحت في وضع كارثيّ وما عادت تستطيع استقبال أي جريح والطواقم الطبية أصبحت في حالة يرثى لها وما عاد هناك أي أدوية لإجراء عمليات جراحيّة.

في ذلك النهار، نجت بعثة الصليب الأحمر الدولي من الموت بأعجوبة حين سقطت قرب سيارتها بجانب سنترال النهر قذيفة سورية، ما أدّى إلى إصابة نائب رئيس البعثة هنري فورنييه بجروح نقل على أثرها إلى مستشفى مار يوسف في الدورة.

الأربعاء 4 تشرين الأول قدّم وزير الخارجية الفرنسي لويس دو غيرنغود اقتراحًا لمجلس الأمن الدولي، يقضي بنشر الجيش اللبناني بين الأطراف المتقاتلة في لبنان.

انعقد مجلس الأمن، وبعد جلسة سريعة لم تستغرق 5 دقائق، أصدر القرار رقم 436 الذي طالب القوات السورية و "القوات اللبنانية" بالوقف الفوري لإطلاق النار، ابتداءً من مساء السبت 7 تشرين الأول.

قبل أن يحلّ موعد وقف إطلاق النار، كان موعد بكفيا مع القصف السوري، حيث لفها حزام من النار ولم توفر القذائف السورية كنيسة مار مخايل التي تعرّضت لأضرار جسيمة ودمّرت قبة الكنيسة.

ما إن حل مساء 7 تشرين الأول حتى هدأت فجأة المدافع وتوقفت المعارك وخرج الناس من ملاجئهم.

يصف بول عنداري في كتابه "هذه شهادتي" تلك الليلة فيروي أن "المقاتلين انتظروا بفارغ الصبر حلول الساعة الثامنة من ذلك المساء، وهو الموعد المعلن لوقف النار"، ويخبر: "...خرجنا من مراكزنا ليلًا غير مصدّقين، ولمّا أطلّ النهار ازددنا ارتيابًا، فالأمكنة تبدّلت تبدّلًا غريبًا، والمطارح أضحت غير مطارح، والسيارات التي كانت في الشوارع ارتفعت إلى الطوابق العليا من البنايات حطامًا، فيما أنزلت مبانٍ على الأرض ركامًا فوق ركام، وفي جوارها حفر عميقة أحدثتها قذائف الـ 240 ووقفنا أمامها مندهشين، كان عسيرًا على الناظر إلى هذه التلة من الركام أن يصدق أنها كانت مدينة تنبض بالحياة".

يتابع: "لم ينتظر الشبان طويلًا، بل مضى بعضهم يعبرون جسر نهر بيروت عائدين إلى منازلهم، وكنت من الذين تسرّعوا وجازفوا بعبور الجسر فيما الجنود السوريون منتشرون على جانبي الطريق في وضع قتالي. وحين وصلت إلى البيت كانت قد سبقتني إليه أنباء المجزرة الكبرى التي ارتكبها أولئك الجنود، إذ قتلوا على الجسر 13 شابًا بينهم رفاق أعرفهم".

بدأت مسيرة الحلّ السلمي، بعد أن سقط آلاف الشهداء والجرحى والمعاقين والمشرّدين وخسائر بملايين الدولارات.

منتصف تشرين الأول، انعقد مؤتمر بيت الدين الذي ضمّ إضافة إلى لبنان وجامعة الدول العربية وزراء خارجية أو ممثلين عن الدول العربية المشاركة في "قوات الردع العربية" عسكريًا وتمويلًا (سوريا، السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر، السودان). وبعد مباحثات شاقة، قرّر المؤتمر تنفيذ مقرّرات مؤتمري القاهرة والرياض، وتنفيذ خطة أمنية جديدة لبيروت تقضي بإبدال الوحدات السورية المتمركزة في بيروت الشرقية ومداخل العاصمة الشمالية بوحدات سعودية وسودانية ورجال الدرك اللبناني.

بعد أيام قليلة، أقرّ مجلس الوزراء الخطة الأمنية الجديدة وبوشر تنفيذها وانتهت حرب المنطقة الشرقية التي عرفت بـ "حرب المئة يوم" بخروج القوات السورية من الشوارع والأحياء المسيحية.


كان الثمن كبيرًا

في تقرير للصليب الأحمر الدولي نشرته الصحف المحلية نهار الإثنين 9 تشرين الأول 1978، جاء فيه أن عدد قتلى ذلك الصيف تراوح بين 500 و 600 قتيل والجرحى نحو 1500.

وأوردت وكالة الصحافة الفرنسية أن الأشرفية وحدها تلقت خلال آخر 8 أيام من القصف السوري قرابة 30 ألف قذيفة ولم يبق من سكانها البالغ عددهم 220 ألفًا إلّا 20 ألفًا. وذكرت أن القذائف من عيار 240 ملم حرثت الطرق على عمق 3 أمتار وبعرض 4 أمتار وزجاج البنايات غطّى كل الطرق التي بدت حولها السيارات محترقة.

أما السيد أنريك دولاماتا رئيس الصليب الأحمر الإسباني، فأدلى بتصريح في مدريد بعد زيارته بيروت نشرته الصحف المحلية نهار الأربعاء 11 تشرين الأول 1978، جاء فيه أن جولة العنف التي اندلعت خلال الصيف بين القوات السورية والقوات اليمينية في بيروت الشرقية، أدّت إلى مقتل نحو 800 شخص وإصابة 3 آلاف وتهجير 500 ألف شخص وتدمير 35 ألف شقة سكنية.

واعتبر مندوب لجنة الصليب الأحمر الدولي في الشرق جان هوفليغر في بيان نشرته الصحف المحلية نهار السبت 28 تشرين الأول 1978 أن عدد القتلى في الاشتباكات التي شهدتها بيروت الشرقية في الفترة الأخيرة (اعتبارًا من الأسبوع الأخير من شهر آب) يتراوح بين 350 و 400 قتيل وعدد الجرحى نحو ألف.

بعد توقف "حرب المئة يوم"، انسحبت القوات السورية نهائيًا من داخل أحياء بيروت الشرقية، ومداخل العاصمة الشمالية، وخففت تواجدها بشكل كبير في جميع الضواحي المسيحية لبيروت الشرقية، وبدأ انتشار وحدات الدرك اللبناني والوحدات السودانية والسعودية المشاركة في "قوات الردع العربية".