يعيش قطاع غزة أجواء هدنة حذرة وسط تعقيدات ومطبّات تنفيذ "المرحلة الثانية" من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكد أمس أنه "عاد جميع الرهائن الـ 20 (الأحياء) وهم في حال جيّدة قدر الإمكان"، مشدّدًا على أنه "لقد أُزيل عبء كبير، لكن المهمّة لم تنتهِ بعد، فلم تتم إعادة (الرهائن) القتلى كما وُعِدنا"، بعدما أفرجت حركة "حماس" الإثنين عن أربع جثث رهائن فقط من أصل 28. لتعود "حماس" وتسلّم 4 جثث رهائن إضافية مساء أمس، وذلك بعدما أجّلت إسرائيل دخول المساعدات إلى غزة وأبقت حدود القطاع مغلقة لتباطؤ الحركة الشديد في تسليم رفات الرهائن، بينما أوضحت "حماس" أن تحديد مكان الرفات أمر صعب.
توازيًا، حسم ترامب أن "المرحلة الثانية" من خطته في شأن غزة "تبدأ الآن"، وتشمل نزع سلاح "حماس" والفصائل وتسليم الحكم في غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية تعمل تحت إشراف "مجلس السلام"، بالإضافة إلى نشر قوات دولية في القطاع. وجزم بأن "حماس" ستتخلّى عن أسلحتها، متوعّدًا بأنه "إذا لم تتخل عن سلاحها سنجرّدها منه". وأكد أن "نزع سلاح "حماس" سيحدث بسرعة وربّما بعنف"، لافتًا إلى أنه تحدّث إلى "حماس" من خلال أرفع المسؤولين الأميركيين وأبلغته بأنها ستتخلّى عن السلاح. ورأى أن الحركة "أطاحت ببعض العصابات" في القطاع، مشيرًا إلى أن "هذا لا يزعجني حقًا"، فيما أفاد مصدر إسرائيلي لشبكة "سي أن أن" بأن المفاوضات حول المراحل الحاسمة التالية من خطة ترامب لا تزال جارية في شرم الشيخ، موضحًا أن وفدًا فنيًا بقي في المدينة المصرية منذ بدء المفاوضات الأولية، وما زال هناك لمواصلة المحادثات.
في الأثناء، قرّرت إسرائيل تقييد المساعدات إلى القطاع وتأجيل خطط فتح معبر رفح الحدودي مع مصر حتى اليوم على أقلّ تقدير. كما أبلغت إسرائيل الأمم المتحدة بأنها لن تسمح إلّا بدخول 300 شاحنة مساعدات إلى غزة، تمثل نصف العدد اليومي المتفق عليه اعتبارًا من اليوم، ولن تسمح بدخول أي وقود أو غاز إلّا لاحتياجات محدّدة تتعلّق بالبنية الأساسية الإنسانية. بالتزامن، أكد الجيش الإسرائيلي أن قواته أطلقت النار لإبعاد تهديد شكّله عدد ممن وصفهم بالمشتبه فيهم الذين اقتربوا من قواته في شمال غزة، موضحًا أن المشتبه فيهم تجاوزوا الخط المقرّر للانسحاب الإسرائيلي الأوّلي بموجب اتفاق شرم الشيخ، في وقت ذكرت فيه السلطات الصحية في القطاع أن سبعة فلسطينيين على الأقل قتلوا في إطلاق نار إسرائيلي في واقعتين منفصلتين.
وحول إعادة الرهائن المتوفين، كتب "منتدى عائلات الرهائن والمفقودين" رسالة إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، تحضه فيها على التحرّك بسرعة لضمان أن تعيد "حماس" جميع الرهائن المتوفين. ونظم المنتدى اجتماعًا طارئًا لعائلات الرهائن في ضوء ما وصفه بأنه انتهاك للاتفاق الموقع، حاسمًا أنه "يجب على الطرفين الالتزام بالاتفاق، إن انتهاكه وفشل "حماس" في إعادة الرهائن يجب أن يُقابلا بتعليق تنفيذ باقي بنود الاتفاق من قِبل حكومة إسرائيل والوسطاء"، في حين جزم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "نعمل على استعادة جثث المتوفين، ولن نوفر أي جهد أو وسيلة لإعادتهم". ورأى وزير المال بتسلئيل سموتريتش أن "فقط الضغط العسكري سيعيد جثث الرهائن". وتمسّك بفكرة أنه "سيكون هناك استيطان يهودي في قطاع غزة"، موضحًا أن "هذه أرض إسرائيل وتعود إلينا، ومن دون استيطان لن يكون هناك أمن".
في الغضون، كشفت دائرة العمل الخارجي، الذراع الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي، في وثيقة اطلعت عليها "رويترز"، أنه ينبغي على الاتحاد تعزيز نفوذه في عملية إعادة إعمار غزة والانضمام إلى "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب بهدف الإشراف الموَقت على إدارة القطاع. وجاء في الوثيقة أنه "من المهمّ الحصول على مزيد من الوضوح في شأن العناصر الأساسية (في خطة ترامب) التي لم تُفصّل بالكامل بعد، ولا سيّما الدور الذي سيلعبه الفلسطينيون في غزة بعد الحرب"، مشيرة إلى أنه يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي عضوًا في هيئة الإشراف على "مجلس السلام" للتأثير على الخيارات الاستراتيجية. ومن المقرّر أن يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ الإثنين المقبل لمناقشة كيفية مساهمة أوروبا في خطة ترامب.
ميدانيًا، أحكم مقاتلو "حماس" قبضتهم على المناطق التي انسحبت منها إسرائيل بموجب اتفاق شرم الشيخ، بعدما نفذوا علنًا عمليات إعدام ميداني بحق معارضين لهم، ما ألقى بظلال على آفاق خطة ترامب لإنهاء الحرب. وظهر مقاتلو "حماس" في أحد مقاطع الفيديو الذي جرى تداوله الإثنين، وهم يسحبون سبعة رجال إلى داخل دائرة من الناس في مدينة غزة ويجبرونهم على الركوع ثمّ أطلقوا النار عليهم من الخلف، على مرأى من عشرات الأشخاص، فيما دعت الرئاسة الفلسطينية إلى الوقف الفوري للإعدامات الميدانية ومحاسبة كلّ من تورّط فيها. وقتل عشرات الأشخاص في اشتباكات بين "حماس" وخصومها خلال الأيام القليلة الماضية. وكشف سكان في غزة لـ "رويترز" أنهم لاحظوا أمس زيادة أعداد المقاتلين وانتشارهم على الطرق التي يستلزم السير عليها لتوصيل المساعدات.
ومن أبرز العشائر التي اشتبك أفرادها مع "حماس" خلال العامَين الماضيَين: عشيرة "أبو شباب" بزعامة ياسر أبو شباب التي تنشط في جزء من جنوب قطاع غزة لا تزال تحتلّه القوات الإسرائيلية، وعشيرة دغمش التي تُعدّ إحدى أكبر وأقوى العشائر في القطاع وتُعرف بأنها مسلّحة بشكل جيّد، وعشيرة المجايدة التي تُعتبر عشيرة كبيرة وقوية تتمركز في خان يونس في جنوب غزة، وعشيرة حلس الكبيرة في مدينة غزة.
إلى ذلك، عاد ناصر القدوة، ابن شقيقة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى الضفة الغربية، بعد أربع سنوات من المنفى الاختياري، حاملًا معه خريطة طريق لضمان السلام في غزة مع تحويل "حماس" إلى حزب سياسي. وأبدى استعداده للمساعدة في الحكم، معتبرًا أن إدارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحتاج إلى إصلاح عميق، ويجب أن تبذل مزيدًا من الجهد لمواجهة عنف المستوطنين في الضفة. تجدر الإشارة إلى أن القدوة غادر الضفة في 2021 بعدما طردته حركة "فتح" بسبب قراره تقديم لائحته الخاصة في الانتخابات متحديًا عباس الذي ألغى التصويت. وأعاد عباس قبول القدوة في "فتح" الأسبوع الماضي، بعدما أصدر عفوًا عن الأعضاء المطرودين.