أنطوان سلمون

"الحزب" بعد سنتين، يصل متأخرًا... اللعبة انتهت

4 دقائق للقراءة

"أهمّ شيء عدم توريط اللبنانيين بتحمّل ما ليس بطاقتهم، بعد كلّ الأوضاع الصعبة التي يعيشونها."

— رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، عبر موقع X في 7 تشرين الأول 2023، عند الساعة الثانية وخمسٍ وثلاثين دقيقة بعد الظهر.


لكن سبق السيف العذل، وبلغ السيل الزُبى... على ما رأينا وعانينا ودفعنا من أثمان باهظة جدّاً كلبنانيين وأبناء بيئة "الحزب" وكوادره وقياداته، من أعلى الهرم إلى أسفله. ليطلّ الشيخ نعيم قاسم بعد عامين، وبعد فوات الأوان، متبنّيًا ولو جزئيًا نصيحة رئيس "القوات"، قبل يومٍ من قرار الحزب بالإسناد، وكأنّه يقدّم "علاجًا متأخّرًا" لتفادي الأخطار، وخوفاً من "توريط الحزب — لا اللبنانيين — بتحمّل ما ليس بطاقته، بعد كلّ ما جرّه على بيئته وعلى نفسه".

قال قاسم في الرابع من تشرين الأول 2025، في نسخة منقّحة عن النصيحة التحذيرية لجعجع: "كانوا يتوقّعون أنّنا سنبادلهم بالخروقات فيمنحهم ذلك مبرّرًا للتوحّش أكثر، لكنّنا أسقطنا هذه الخطوة بعد أن اتخذنا قراراً بأنّ الدولة هي المسؤولة، وأنّ علينا الصبر."

ولو اتُّخذ القرار نفسه عشية الثامن من تشرين الأول 2023 بعدم منح "المبرّر" للعدو "للتوحّش"، لكان بالإمكان إسقاط خطواته نحو الحرب الشاملة. ولو تحلّى الأمين العام الراحل بالصبر على ما يحدث في غزة، واعتبر أنّ الدولة هي المسؤولة، لبقي هو وخلفه على قيد الحياة، ولكان الأخير اليوم حرًّا غير مهدّد، متمتّعًا بـ"نعيم" نيابة الأمانة العامة في الحزب.

إنّ قرارات الحزب وأداءه في توريط اللبنانيين بما لا يعنيهم، دون أيّ مشورة أو استشارة، ودون أن يقيم أيّ اعتبار لدولةٍ أو سيادةٍ أو شراكةٍ وطنية، جاءت بمعزل عن أيّ تقييم عسكريّ أو منطقيّ أو علميّ، يوازن بين التطورات التكنولوجية والعسكرية والذكاء الاصطناعي من جهة، وبين إمكاناته الواقعية المتواضعة من جهة أخرى.

فقد كانت معظم تصريحات الحزب مجرّد دعايةٍ ومعنوياتٍ زائفة، كما ورد على لسان أمينه العام الراحل حسن نصرالله في مقابلةٍ مع عماد مرمل عبر قناة المنار في 12 تموز 2019: "الأعمار بيد الله... وأنا من الذين يملكون أملاً كبيراً بأن نصل إلى القدس... أيّ حربٍ جديدة ستكون أكبر بكثير من حرب تموز 2006، وستضعهم على حافة الزوال... دخول الجليل جزءٌ من خطة الحرب... المقاومة باتت قادرة على زلزلة الجبهة الداخلية للعدو...".

وفي السياق نفسه، قال العميد أحمد كريم بور، المستشار العسكري لقائد فيلق القدس الإيراني، في 1 آذار 2017: "حينما يقول قائد الثورة الإسلامية إننا سنسوّي تل أبيب وحيفا بالأرض في غضون سبع دقائق، فلا مزاح في الأمر، ولتعلم إسرائيل وحلفاؤها ذلك."

لكنّ الحزب الإمامي الاثني عشري، في قراراته وآخرها "قرار الإسناد"، لم يأخذ بقول الإمام علي بن أبي طالب: "من شاور الرجال شاركها في عقولها، وأعقل الناس من أضاف عقول الناس إلى عقله"، بل تمسّك بقرار الوليّ الفقيه، متجاهلاً العقول والعلوم. وهو ما عبّر عنه السيد نصرالله في 11 تشرين الثاني 2013 حين قال: "عندما نأخذ القرار... نحن لا نلجأ إلى عقولنا ولا إلى علومنا، بل إلى فقهائنا ومراجعنا في إيران."

انطلاقاً من ذلك القرار الفوقي، جاء بيان الحزب في 7 تشرين الأول 2023 تأكيدًا لوحدة الساحات "تنفيذاً لأمرٍ من هم أعلى مستوى في إيران"، معلنًا أنّ "حركات المقاومة تؤكد وحدتها الميدانية بالدم والقول والفعل".

وبعد عامٍ كاملٍ من "طوفان الأقصى"، قال الحزب في بيان الذكرى الأولى (7 تشرين الأول 2024): "قرار الحزب فتح جبهة الإسناد في الثامن من تشرين الأول هو قرار إلى جانب الحق والعدل... لكنّه أدّى إلى أثمان باهظة في البنية القيادية والعسكرية والمادية، ونزوح مئات الآلاف ودمارٍ ثقيلٍ في الأملاك..."، ثم أضاف:

"الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها شركاء الاحتلال في جرائمه ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني."

لكنّ المفارقة أنّ الحزب نفسه، في الخامس من تشرين الأول 2025، أي قبل الذكرى الثانية للطوفان، رحّب وأيّد خطة ترامب، بعد عامٍ واحدٍ فقط على وصفه الولايات المتحدة بـ"شريكة الاحتلال والمسؤولة عن القتل والإجرام".

وجاء هذا التأييد بعد أقلّ من 24 ساعة على انتقاد الشيخ نعيم قاسم نفسه لبنود الخطة، واعتبارها خدمةً لأحلام "الشيطان الأصغر" الإسرائيلي، وتجريداً للمحور من "عناصر قوّته".

ما شهدناه في 13 تشرين الأول 2025 في غزة، والكنيست، وقمّة شرم الشيخ خيرُ دليلٍ على أنّ "الحزب"، وإن وصل متأخراً في تأييده لخطة ترامب، فلن يصل أبداً إلى غير النتيجة الحتمية:

تأكيد نصيحة جعجع الأخيرة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 أن اللعبة انتهت.