قبل عام من الآن كان مجرّد الحديث عن تواصل مباشر بين "هيئة تحرير الشام"، التي كان يقودها الرئيس السوري الانتقالي حاليًا أحمد الشرع، وروسيا، يعدّ ضربًا من ضروب الخيال وأمرًا غير قابل للحدوث.
لكن السياسة التي يعرف عنها أنها لا تتضمن في قواميسها عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، دارت رحاها لترمي الشرع، الذي كان قبل عام واحد من ألدّ أعداء الروس، في حضن موسكو، وبالكرملين تحديدًا، للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ومع سقوط النظام السابق وفرار رأسه بشار الأسد إلى روسيا بقيت شعارات "تسقط موسكو ولا تسقط درعا" و"لا نصالح الروس" حبرًا على الورق، بل أصبحت في طي النسيان مع إصرار الشرع على فتح صفحة جديدة مع الروس.
الانفتاح الجديد على روسيا لم يبدأ مع زيارة الشرع الأربعاء، بل سبقته زيارات لكبار مسؤولي نظامه في الأشهر الفائتة، وجاء ظهوره التلفزيوني منذ فترة والذي كشف فيه تواصلًا جرى مع الروس بعد السيطرة على حلب - المعلومات تشير إلى أن التنسيق مع روسيا بدأ قبل انطلاق معركة "ردع العدوان" وحصل أوّلًا بين الأتراك والروس ثمّ تطوّر - ليكون بمثابة إشارات إيجابية يرسلها الشرع بغية تهيئة شارعه لقبول الانفتاح على موسكو.
لكن، وفي ظلّ الظروف الدولية المعقدة قد لا يكفي الشرع نيل رضى وموافقة أنصاره للتوجّه شرقًا وفتح صفحة جديدة مع أعداء الأمس، لأن تصريح الرئيس الانتقالي خلال استقبال بوتين له، بخصوص الالتزام التام بالاتفاقات الموقعة بين موسكو ودمشق، ضرب على وتر حسّاس بالنسبة إلى السوريين أنفسهم والدول الغربية بشكل عام.
وليس خافيًا أن حملة العلاقات العامة التي تقوم بها جمعيات مؤيّدة للشرع في واشنطن، تتركّز على اعتبار حكّام سوريا الجدد حلفاء للغرب بدليل طردهم للإيرانيين وميليشياتهم من الأراضي السورية، والأهمّ طرد بوتين من الساحل الشرقي للبحر المتوسط وإنهاء نفوذ روسي طاغ استمرّ لعشرات الأعوام.
هذه الحملات أثرت فعلًا على عدد من المشرّعين الأميركيين الذين زار قسم منهم سوريا في الأشهر الماضية. هؤلاء النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الذين يكنون عداوة واضحة لبوتين، حملوا قضية الشرع وداروا بها للدفع في اتجاه رفع العقوبات، على اعتبار أن الشرع نجح في أمر لطالما أرادت الولايات المتحدة حدوثه منذ فترة طويلة ويتمثل في إنهاء تواجد الروس في سوريا.
ولم يقتصر ربط انتصار الشرع وتضاؤل النفوذ الروسي على الأميركيين فقط، فالدول الأوروبية الكبيرة، وعلى وجه التحديد بريطانيا وفرنسا، راق لها هذا الأمر كثيرًا، فأي ضربة تتلقاها موسكو تصب في مصلحة المحور الأوروبي المناوئ لها، والذي رمى بثقله إلى جانب أوكرانيا لمنع بوتين من الزحف نحو الغرب.
ولعلّ أخطر وجهات النظر المتعلّقة بزيارة الشرع إلى موسكو تتعلّق بأن الرئيس الانتقالي أراد القيام بمناورة لأن الدعم الأوروبي والأميركي لنظامه لم يرتق إلى المستوى المنشود، وبالتالي لا بدّ من تنفيذ حركة سياسية معيّنة تجذب الانتباه. ومن ناحية ثانية، أسمعه الروس ما يريد سماعه، خصوصًا في الملف الكردي والاتهامات التي وجّهها وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى الولايات المتحدة بخصوص العبث بهذه الورقة.
الخطورة هنا تكمن في أن الشرع لم يصل بعد إلى مرحلة تمكّنه من اللعب بهكذا أوراق، فنظامه لم يشتدّ عوده بعد، والحالة الفصائلية لا تزال طاغية على العمل العسكري المؤسّساتي، وهناك ست محافظات سورية تقريبًا خارجة عن سيطرة نظامه، كما أن العمل الإداري الخدماتي لم يسلك طريقه بعد، ما يعني أن المناورة بهذه الطريقة وفي هذا الوقت الحسّاس يعد لعبًا على حافة الهاوية.
وأيًا تكن المطالب الروسية من الشرع والتي قيل إن بعضها يتعلّق بإعادة ضباط وجنود تابعين للنظام السابق إلى صفوف القوات المسلّحة التابعة للنظام الحالي، يبقى تعهّد الشرع بالالتزام بالاتفاقات الموقعة أمرًا كبيرًا ومن غير المعروف قدرته على تحمّله، فالأصوات بدأت تصدح بخصوص دفع النظام الحالي تكاليف وقوف موسكو عسكريًا إلى جانب الأسد طيلة السنوات الماضية، كما أن معظم الاتفاقات التي وقعها الأسد وتعهّد الشرع الالتزام بها، تعطي موسكو نفوذًا تصادر معه قسمًا كبيرًا من الثروات الوطنية السورية، فكيف ستكون ردة فعل الأوروبيين والأميركيين؟