الدكتور دريد بشرّاوي

بين "العوربة" و"الإيرنة"... ضياع الدور المسيحي في الشرق العربي

4 دقائق للقراءة

يتداول البعض الحديث عن "المسيحيين العرب" وعن مؤتمر سيُعقد لهم بمناسبة زيارة قداسة البابا المقبلة إلى لبنان. لكن عن أي مسيحيين عرب يتحدثون؟ وأين هم المسيحيون العرب اليوم؟

نعم، إنّ الشرق العربي هو مهد المسيحية وأساسها، وقد كانت المسيحية الديانة الرئيسية في هذه المنطقة منذ القرن الرابع وحتى الفتوحات الإسلامية.

لقد كان المسيحيون في طليعة النهضة والثقافة العربيتين، وأسهموا بفعالية في صياغة الهوية الفكرية والحضارية للشرق. فقد أنشأوا المدارس والمطابع الأولى، وأسسوا الصحافة العربية الحديثة في بيروت والقاهرة، وكانوا من أوائل من نقل العلوم والآداب والفكر الغربي إلى العربية. ومن رحمهم خرج مفكرون ومصلحون ومبدعون أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي وجرجي زيدان وشارل مالك وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وغيرهم، ممن ساهموا في إحياء اللغة العربية ونشر قيم الحرية والعقلانية والإنسانية.

لم يقتصر دور المسيحيين على النهضة الثقافية والفكرية، بل امتد إلى الميدان السياسي في لحظات التأسيس الكبرى للأوطان العربية الحديثة. فقد كان لهم إسهام محوري في وضع الدساتير الأولى وصياغة المفاهيم الوطنية الجامعة التي قامت عليها الدول بعد الاستقلال، وفي ترسيخ فكرة المواطنة والدولة المدنية التي تفصل بين الدين والسياسة من دون أن تفصل بين الإنسان ووطنه. كان المسيحيون في طليعة الداعين إلى العروبة المتنورة، وإلى بناء أنظمة ديمقراطية تحترم الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتؤكد سيادة الدولة واستقلالها عن أي وصاية أو تبعية. لقد ناضلوا من أجل الاستقلال في لبنان وسوريا ومصر والعراق، وشاركوا في قيادة الحركات الوطنية والقومية، دفاعًا عن الكرامة والسيادة والحرية.

إلا أنّ هذا الدور السياسي الريادي تراجع تحت وطأة الحروب، والأنظمة القمعية، وصعود التيارات الأصولية، وتفكك الدولة الوطنية. فهُجّر المسيحيون من العراق وسوريا وفلسطين وحتى من لبنان، وتقلّص حضورهم في معظم بلدان الشرق، فيما تُرك لبنان – آخر مساحة من الحرية والتعدد – يتآكل من الداخل بسياسات رعناء تتأرجح بين "العوربة" تارة و"الإيرنة" تارة أخرى، وبين التبعية والتنازل عن كل شيء، حتى عن الكرامة الوطنية. لقد بلغت هذه السياسات حدًّا باتت معه "الذمية" أحد أركانها الأساسية.

فكيف يمكنكم إذًا التحدث باسم "المسيحيين العرب"؟ ومن أنتم؟ ومن تمثلون فعلًا على الصعيد الشعبي؟

حبّذا لو تطالبون بإعادة المسيحيين إلى العراق وسوريا.

وحبّذا لو تطالبون بحقوق المسيحيين التي أُهدرت وسُفكت في عدد من البلدان العربية، وخصوصًا في مصر والعراق وغيرهما - وأهمها: الحق في المساواة، والحق في ممارسة العبادة بحرية ومن دون قيود، والحق في حرية الرأي والتعبير، إلى جانب الحقوق السياسية والمدنية وسائر حقوق الإنسان.

حبّذا لو تعملون على استعادة حقوق المسيحيين ومواقعهم وسلطاتهم التي سُلبت في لبنان تحت وطأة سلاح الاحتلال السوري وميليشيا الولاية الإيرانية، منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، وعلى إعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة، لا من منطلق طائفي، بل من منطلق الشراكة الوطنية الكاملة في القرار والسيادة.

وحبّذا لو تسعون إلى توحيد الصف المسيحي، والتوقف عن المناكفات وعن تغليب الأنانيات والمصالح الضيقة، والتخلي عن عقلية الإقطاع البائدة التي لا تزال تُنتج زعامات صورية تعيش على أمجاد الماضي وسلطته.

حبّذا لو تعملون على وضع رؤية سياسية واضحة تضمن بقاء المسيحيين في هذا الوطن كمواطنين أصليين وأساس لا كأهل ذمّة أو كأقلية، وأن تكون هذه الرؤية جزءًا من مشروع وطني شامل لإنقاذ الدولة وإعادة بنائها على أسس العدالة والسيادة والمساواة.

كفى ذميةً، كفى انبطاحًا وتنازلاتٍ وتخاذلًا.

فلا حياة في هذا الشرق إلا بحرية، ولا بقاء من دون سيادة وكرامة.

فلنَعِشْ أحرارًا... أو لنَعِشْ أحرارًا. لا خيار ثالثًا بينهما، حتى لو اضطررنا إلى مغادرة هذا الشرق، فهذه هي الرسالة، وهذه هي الحقيقة المرة التي يجب إيصالها إلى قداسة البابا.


أستاذ ومدير أبحاث في القانون الدولي والقوانين الجنائية في كلية الحقوق والعلوم السياسية - جامعة ستراسبورغ
مستشار في المحكمة الجنائية الدولية (لاهاي)
محام عام أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (لاهاي)
محام بالاستئناف في نقابة المحامين - بيروت