يحار المراقبون أحيانًا في تفسير المواقف الأميركية من الكثير من القضايا الإقليمية والدّولية، لكن الأكيد أن الأميركيين لا ينزعجون لأنهم يدركون ما يفعلون ولا يحسبون حسابًا للكثير من الاعتبارات، طالما أنهم يشعرون بفائض القوّة ويقدّمون مصالحهم على ما عداها. فكم بالحريّ عندما يكون الرئيس الأميركي اسمه دونالد ترامب الذي يقارب السياسة بمفهوم الأعمال الاستثمارية والتجارية، مرتاحًا في الوقت عينه إلى أن لا إفلاس في السياسة ولا خسارات كاملة أو أرباح كاملة.
ويقول دبلوماسي مخضرم خبر التعاطي مع الأميركيين إن إدارة ترامب وعلى شاكلة رئيسها تبدو مستعجلة ولو بشكل أكثر حذرًا وهدوءًا لإنجاز حلول هنا وهناك وترتيب أوضاع في أكثر من منطقة في العالم. والأكيد أن لبنان لا يختلف عن سواه، لكن ما يختلف هو التركيبة اللبنانية على مستوى السلطة والتي تجعل ترامب ومعاونيه المعنيين بلبنان يقاربون علاج المسألة اللبنانية ولا سيّما من خلال عنوان تطبيق القرارات الدولية، على دفعات، وعلى مسارات عدّة.
ويوضح أن ما عناه الرئيس الأميركي من تنويه بأداء الرئيس عون والحكومة، هو تأكيد دعم الهدف النهائي، أي استكمال سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها. وهذا الاستحقاق من وجهة نظر واشنطن لا يتمّ بجمع السلاح فحسب بالدرجة الأولى، بل ينبغي أن تواكبه خطوات نوعية على الصعد المالية والقانونية والأمنية غير العسكرية. وهذه الإجراءات تتمثل بالتالي:
أوّلًا: التشدّد في ضبط الحدود وملاحقة عمليات التهريب والمهرّبين الذين يحتمون غالبًا في مناطق نفوذ "حزب اللّه" وقسم كبير منهم يؤمّن مصالح "الحزب" على صعيد الموارد والعائدات. ويبدي الأميركيون ودول أوروبية عدة استعدادًا جديًّا لدعم قدرات الرقابة لدى الجيش عند الحدود، عبر منظومات إنذار مبكر ومراقبة بوسائل حديثة وتدريبات للوحدات المعنيّة.
ثانيًا: تعزيز الرقابة على الموارد المالية لـ "حزب اللّه"، وهو ما يفهم من إشارة الموفد الأميركي توم برّاك إلى حصول "الحزب" شهريًا على 60 مليون دولار تتدفق إليه من مكان ما، رابطًا هذا التمويل بإعادة بناء قدراته وفق تقارير استخبارية لدى الأميركيين. والمكان "الما" هو في الغالب إيران وبعض الشبكات المنتشرة في أوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
ثالثًا: إقفال مختلف المصانع غير الشرعية المخصّصة لإنتاج الكبتاغون وغيرها من المخدّرات، وملاحقة وتفكيك الشبكات المرتبطة بها على صعيد الترويج والبيع والتهريب بوسائل شتى.
رابعًا: يعتبر الأميركيون أن إسرائيل لديها ضوء أخضر بالتصرّف حيال أيّ تهديد محتمل عليها، وهي بناء عليه تواصل، بل توسّع دائرة الغارات العنيفة أحيانًا على أهداف محدّدة تعود لـ "الحزب". وبالنسبة لهذه النقطة بالذات، فإن الرئيس الأميركي لا يمانع شن هذه الغارات بل وتصعيد وتيرتها، فاصلًا بين قصف أهداف عسكرية لـ "حزب اللّه" وبين استمرار احتلال النقاط الخمس عند الحدود الجنوبية، بل إنه يعتقد أنه يساعد بذلك الدولة اللبنانية من خلال إضعاف "حزب اللّه" أكثر.
على أن الدولة اللبنانية معنيّة بشكل أساسيّ وبالتوازي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وبتسليم "حزب اللّه" تدريجيًا أسلحته لها، وهي تعرف والدول الغربية والعربية تعرف و "حزب اللّه" وإيران يعرفان جيدًا أن التورّط في إسناد غزة هو الذي أعاد إسرائيل إلى لبنان، ولذلك "من فتح الباب على الريح فعليه أن يقفله ليُريح ويستريح".
وتطمئن مصادر حكومية إلى أن الجيش اللبناني منيع ومتماسك وقويّ، بل إنه أقوى ممّا يعتقد كثيرون، وإذا ساور في الماضي بعضهم رهان ما على محاولة تفكيكه، فإن هذا الرهان بات خارج إطار التفكير. فالجيش لا يوفر فرصة لبسط سيادة الدولة بناءً على القرار السياسي والتوجيهات الواضحة. ويكثف في الوقت عينه ملاحقة العصابات على أنواعها. كما أنه يحاذر القيام بأي دعسة ناقصة، لكنه لن يتوانى عن تنفيذ المطلوب على صعيد خطة حصر السلاح ولو بشكل خطوات متدرّجة.
وتؤكّد المصادر أن الجيش يواصل تدريباته بشكل كثيف وبالغ الاحتراف، وأنه يمتلك أسلحة نوعية فعّالة جدًا، وإن لم تكن ثقيلة، تعزز قدراته القتالية في بيئة مكتظة وتضاريس معقدة.
على خط آخر، وبناء على الثقة الكبيرة بالجيش، والاستعداد الدوليّ والعربيّ لدعم الجيش والقوى الأمنية عند نضوج المناخ الملائم، فإن الكلام بشأن استراتيجية دفاعية لا معنى له وتجاوزه الزمن والتطوّرات، بينما الكلام حول استراتيجية أمنية كبديل عن العسكرية لا يستقيم بل هو ساقط سلفًا، علمًا أن الثنائي "أمل" و "حزب اللّه" يحاول ترويج هذا الطرح، لكنه قد يكون أخطر من طرح الاستراتيجية الدفاعية لما يحتمل من تدخلات وإمكانات تعطيل، وقد يشكّل غطاء لممارسات أمنيّة تعود إلى زمن مضى.