تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. فالأصوات التي ترتفع من داخل المجتمع الإيراني لم تعد تطالب فقط بتحسين الوضع المعيشي أو توسيع الهامش السياسي، بل بدأت تلامس جوهر النظام نفسه: شرعية "ولاية الفقيه" ودورها في الحكم. هذا التحوّل، مهما حاول النظام احتواءه، يعكس تآكلاً متزايدًا في البنية الأيديولوجية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما يحدث هو انفتاح محسوب، أم بداية أفول نظام الملالي؟
طوال العقود الأربعة الماضية، بنى النظام الإيراني نفوذه على ثلاث ركائز: الشرعية الدينية في الداخل، والقدرة العسكرية عبر الحرس الثوري، والتمدّد الإقليمي عبر شبكة الميليشيات في المنطقة. لكن هذه الأعمدة الثلاثة بدأت تتعرّض للاهتزاز المتزامن. داخليًا، لم تعد "الشرعية الثورية" تقنع جيلًا جديدًا يبحث عن حياة طبيعية لا عن شعارات المقاومة. اقتصاديًا، تُنهك العقوبات الطبقات الوسطى والفقيرة، فيما يتضخّم نفوذ الحرس الثوري على حساب مؤسسات الدولة. وخارجيًا، تتراجع فعالية "الهلال الشيعي" الذي أنشأته طهران، في ظل تبدّل موازين القوى الإقليمية وصعود محور عربي جديد.
فمنذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت القيادة في العالم العربي والإسلامي بيد العرب أنفسهم. مصر بقيادة جمال عبد الناصر رفعت راية القومية والوحدة، والسعودية بقيادة الملك فيصل مثّلت الثقل الإسلامي والاقتصادي. بذلك كان القرار العربي والإسلامي عربيًا خالصًا. لكن مع أفول المشروع الناصري، وضعف الدور المصري بعد كامب ديفيد، وانشغال السعودية بملفات داخلية معقدة، برز فراغ قيادي عربي في نهاية القرن الماضي.
في ذلك الفراغ، تسلّل الفرس والأتراك إلى قلب العالم العربي.
إيران رفعت شعار "تصدير الثورة" وأسّست محورًا يمتدّ من طهران إلى بيروت مرورًا ببغداد ودمشق، تحت مسمّى "الهلال الشيعي". وتركيا في عهد رجب طيب أردوغان تبنّت مشروع "النيـو-عثمانية" بغطاء إسلامي سني.
وبين هذين المشروعين، انقسمت المنطقة وتراجع الدور العربي التقليدي، فتحوّل العرب إلى ساحات نفوذ يتقاسمها غير العرب.
لكن السنوات الأخيرة حملت منعطفًا مغايرًا.
فـمصر استعادت هدوءها ودورها الإقليمي، بينما أعادت السعودية صياغة مفهوم القيادة العربية والإسلامية على أسس جديدة: دولة قوية، تنمية داخلية، سياسة خارجية مستقلة، وواقعية تحكم العلاقات الدولية.
اليوم، يمكن القول إن محور القاهرة – الرياض أعاد رسم الخريطة، وأعاد القيادة إلى العرب بعد مرحلة طويلة من التراجع.
في هذا السياق، يبدو أن إيران تدخل مرحلة انكماش استراتيجي. فهي محاصرة اقتصادياً، منقسمة داخلياً، وتواجه عودة عربية قوية تُضعف قدرتها على التمدّد. حتى حلفاؤها التقليديون في المنطقة يلمسون حدود الدعم الإيراني وتراجع قدرته على الحسم.
أما في لبنان، فـ"حزب الله"، الذي كان يستمد قوته من "الولاية" وارتباطه العضوي بطهران، سيجد نفسه مضطرًا لإعادة تعريف دوره، مع تراجع مركز القرار الإيراني وتبدّل المزاج الإقليمي والدولي.
إنّ ما يجري في إيران ليس حدثًا داخليًا معزولًا، بل علامة على تحوّل أوسع في العالم الإسلامي. فبعد عقود من قيادة فارسية – تركية للمنطقة، تعود القيادة إلى محور عربي براغماتي يقدّم الدولة والتنمية على الأيديولوجيا.
وهكذا، قد يكون أفول الملالي بداية ولادة مرحلة عربية جديدة، تستعيد فيها القاهرة والرياض زمام المبادرة، وتعيد رسم المشهد الإسلامي على أسس واقعية لا ثورية، عربية لا مذهبية، وعقلانية لا عقائدية.