سايد شهوان

جرمانيا وجرمانا

3 دقائق للقراءة

في الأول من تشرين الأول سنة 1946، أصدرت محكمة نورمبرغ الخاصة بمحاكمة القيادات النازية، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، حكمًا بالسجن عشرين عامًا على ألبرت شبير (Albert Speer).

من سجن سبانداو (Spandau) في برلين الغربية، كتب شبير مذكراته على أوراق المرحاض ، بخط صغير جدًا يشبه خط بنود عقود التأمين والمصارف، وذلك لإخفائها وتهريبها إلى خارج السجن. وبعد انقضاء فترة العقوبة، نُشرت هذه المذكرات في كتابين: داخل الرايخ الثالث وسبانداو: اليوميات السرية.

في الكتاب الأول، يروي شبير علاقته بالـ"فوهرر" أدولف هتلر، وتجربته كمهندس معماري معتمد لدى القيادة النازية، ثم كرئيس هيئة البناء والتشييد، ولاحقًا كوزير للتسليح والإنتاج الحربي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن أبرز الأجزاء في مذكراته القسم الذي يتحدث فيه عن تكليف هتلر له في الثلاثينيات بتصميم مدينة جديدة باسم جرمانيا (Germania) لتكون عاصمة الرايخ الثالث.

كان المقصود أن تكون جرمانيا عاصمة عظيمة تمثل القوة الألمانية، مدينة ضخمة بكل المقاييس، تضم القباب الشاهقة، أقواس النصر المهيبة، والجادات المترامية الأطراف، لتجسيد تفوق العرق الآري وعظمته. وبالإضافة إلى هذا الجانب المعماري، كان المطلوب من تصميم هذه المدينة أن يعطي صورة رمزية معبّرة عن وحدة هذا العرق ونقائه.

لكن جرمانيا بقيت وهمًا ولم تولد. أُجهض المشروع في مراحله الأولى، ثم انتهى مع هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. فتحولت جرمانيا إلى رمزٍ للأحلام الواهية، إذ قامت فكرتها على عقائد وأفكار وقوالب غير واقعية.

وبينما ظلت جرمانيا حلمًا مصطنعًا، نجد مدينة قرب دمشق، جرمانا، تتشابه معها في الاسم لكن تختلف تمامًا في طبيعتها ونشأتها.

جرمانا الواقعة جنوب شرق دمشق، لم تكن يومًا مشروعًا مصطنعًا، بل قرية صغيرة نمت تدريجيًا مع الوقت بطريقة عفوية، تلقائية، وأحيانًا عشوائية بفعل حركة الناس والهجرات.

فقد استقبلت جرمانا عبر العقود موجات من الداخل السوري: دروزًا من السويداء، ومسيحيين من الريف، وخاصةً من حوران ووادي النصارى (الاسم الرسمي: وادي النضارة)، وفلاحين وعمّالًا قدموا للعمل والتمركز قرب العاصمة، إضافةً إلى موجات كبيرة من السوريين الذين هربوا من العنف بعد أحداث عام 2011. كما استقبلت موجات من الخارج: دروزًا من جبل لبنان، خاصةً بعد معركة عين دارة وأحداث عام 1860، وفلسطينيين بعد نكبة 1948، ثم عراقيين من مختلف الفئات والمشارب بعد حرب 2003.

هذا التراكم حوّل جرمانا إلى مدينة نامية عمرانيًا، ديموغرافيًا واقتصاديًا، داخل حاضنة دمشق الكبرى ومتكاملة معها.

هذه المدينة، حيث تتداخل أديان وطوائف وأعراق وجنسيات وطبقات اجتماعية وشعبية، تستحق التفحّص للأسباب التالية:

• لأنها تمثّل نموذجًا مصغّرًا ومكثّفًا عن سوريا.

• ولأنها واقعية منبثقة من حقيقة الأرض، وغير وهمية أو قائمة على قوالب مثالية كما هي جرمانيا، إذ تجمع بين السلام والطمأنينة والحركة الاقتصادية من جهة، والقلق والنفور والخوف من الآخر من جهة أخرى، كما ظهر مؤخرًا خلال بعض التوترات والمواجهات التي أعقبت أحداث السويداء.

الأحداث الأخيرة وما قبلها خلّفت جروحًا عميقة، ليس في جرمانا فحسب، بل في مختلف أنحاء سوريا.

ولا تندمل هذه الجروح إلا بتنقية الذاكرة، كما أوصى السينودس من أجل لبنان بعد انتهاء الحرب اللبنانية.

إن أمام السوريين جميعًا تحدّي توافر النية وإيجاد السبل لتنقية الذاكرة الفردية والجماعية، فهي مرحلة حتمية للوصول إلى صيغة واقعية تحفظ تنوّع وتعدديّة النسيج السوري، بعيدًا عن القوالب الجامدة والحلول الجاهزة.