إستال خليل

إلسي فرنيني وكلوديا مرشليان وجان نخول:

هذه أسباب "النوستالجيا" للأعمال الفنيّة القديمة

7 دقائق للقراءة

إذا كان الأسود والأبيض مصنّفَين في عالم الأزياء ضمن باب الكلاسيكيّة المناسِبة لكل زمان ومكان، فالأسود والأبيض في عالم الثقافة والفن يشكّلان عنوانًا للحنين إلى الماضي. والحنين إلى ما كان، يبدو أنه لم يعد اليوم مجرّد شعور فرديّ، بل تحوّل ظاهرة تعكس علاقة الجمهور بالفنون على أنواعها، خصوصًا التمثيل والغناء. حنين جيل إلى أغنيات زمن لم يعشه ومسلسلات أو مقابلات حقبة لم يكن قد أبصر النور خلالها. يتظهّر ذلك في السهرات والحفلات التي يستعين منسّقو الموسيقى أو المغنّون خلالها بأغنيات زمان، وفي مَيل جيل الشباب لإعادة مشاهدة مقاطع وفواصل منتشرة على مواقع التواصل من برامج ومقابلات أُنتِجت قبل عقود، أو متابعة برامج تلفزيونية توثق الماضي وأحداثه وناسه.


من الطبيعي أن يدافع كلّ جيل عن زمنه وتفاصيله، ومنها أنماط الفنون التي رافقته والتي غالبًا ما يرى أنها الأجمل والأفضل والأصدق. ومن الطبيعي أيضًا أن ينتقد كلّ جيل ما يُقدّمه الجيل اللاحق، أو على الأقل ألّا ينظر إلى إنتاجات ذلك الجيل بنظرة تقدير وإعجاب. لكنّ الأكيد أنّ "النوستالجيا" تبرز كحالة إنسانيّة جامعة تستعيد ما تختزنه الذاكرة وتنظر إليه بروح الحنين وعين الإعجاب. 


بساطة وخجل وبراءة

تؤكّد الممثلة القديرة إلسي فرنيني، في حديث لـ "نداء الوطن" أنّ طبيعة الإنسان تجعله مرتبطًا بما اعتاد عليه في طفولته، "لذلك يبقى الماضي بالنسبة له أجمل من الحاضر". أما بالنسبة للأعمال الدراميّة والتي تشكّل فرنيني واحدة من نجماتها منذ سبعينات القرن الماضي، فترى بطلة "مذكّرات ممرضة" أنّ الإنتاجات القديمة كانت مختلفة، "فيها بساطة وخجل وبراءة. وكانت مسلسلاتنا تحمل لمسة إنسانية طبيعيّة بعيدًا من المبالغة، ومليئة بالطيبة والعِبر الأخلاقية، وتنشر المحبة والهدوء. لذلك شكّلت نموذجًا فنيًّا لا يخدش الحياء، وكان يمكن للمرء أن يشاهد مسلسلًا مع أسرته وهو مطمئنّ أنه لن يُفاجَأ بما هو غير مناسب أو بما يخالف القيم".

لكن ماذا عن مسلسلات اليوم؟ تجيب فرنيني: "تغيّرت الصورة تمامًا. في ظل الانفتاح الواسع والتغيّر الاجتماعي، لم نعد نجد هذه السِّمات في معظم الإنتاجات. أصبحت الغلبة للأعمال الجريئة التي تسيطر عليها مَشاهد الجريمة والشر والغيرة والمؤامرات. أصبحت القصص التلفزيونيّة قائمة على الصراع الدائم، والناس في هذه الأعمال يقتلون بعضهم، والروح السلبية تملأ الشاشة. هكذا غابت الطيبة والبراءة التي ميّزت الماضي".


علاقة وجدانية بالذاكرة

تحاول إلسي فرنيني شرح "النوستالجيا" الفنيّة التي يعيشها الإنسان، فتقول: "الأغنيات والمسلسلات القديمة، ما زالت حاضرة في وجداننا لأنها ارتبطت بالطفولة والأسرة واللحظات البسيطة. أما الأعمال الجديدة، فرغم وفرتها، إلا أنها لا تملك دائمًا القدرة على ترك الأثر العاطفي نفسه في المُشاهد".

لكنّ نجمة مسلسل "بنت البوّاب" تستدرك مؤكّدةً أنّ "النوستالجيا لا تعني أنّ الماضي كان كاملًا أو خاليًا من العيوب، إنما ثمّة مَيل في الإنسان يجعله يرى الماضي أنقى وأجمل ممّا كانه في الواقع، ويجعله يتعامل مع ما يُقدّم حاضرًا بصرامة وقسوة". وتختم فرنيني مشيرةً إلى أنّ "النوستالجيا" انعكاس لعلاقة وجدانية بالذاكرة أكثر مما هي حكمٌ موضوعيّ على قيمة العمل الفني، "لذلك يشعر الناس دائمًا أن كلّ ما مضى كان عظيمًا، والحاضر أقلّ شأنًا".


الماضي ملاذ نفسيّ آمن 

الكاتبة كلوديا مرشليان تعتبر من جهتها أنّ "النوستالجيا تمنح الإنسان شعورًا جميلًا، وتجعله يعتقد أنّ الماضي كان أجمل من الحاضر، ذلك لارتباطه بالأشخاص الذين رحلوا وباللّحظات التي جمعته بهم، رغم أنّ الماضي لم تكن أيّامه سهلة من دون تكنولوجيا ولا رفاهية، بل كان زمن تعب وجهد أكبر". مرشليان تشرح لـ "نداء الوطن" المسألة بعمق أكبر فتقول: "الماضي هو الشيء الوحيد الذي نملكه بالكامل. تفاصيله معروفة، وذكرياته مرتبطة بالطفولة والمراهقة والبيوت القديمة. لذلك، فأغنية قديمة أو مسلسل قديم يكفيان لإعادتنا إلى تلك اللحظات بكلّ وجوهها ومشاعرها". وتضيف: "الإنسان يرى الماضي عصرًا ذهبيًّا أيضًا، لأنه زمن انقضى فلم نعد نخافه، أما الحاضر فمليء بالهموم والالتزامات، بينما المستقبل غامض ومقلق. لذلك، يصبح الماضي بتفاصيله ملاذًا نفسيًّا آمنًا".


نقص تمويل لا "نوستالجيا"

استعادة الأغنيات القديمة بتوزيعات موسيقيّة جديدة، أو إعادة عرض المسلسلات القديمة وأحيانًا تخصيص قنوات لاستعادة الإنتاجات الدراميّة والبرامجيّة السابقة، لا تراها كاتبة مسلسل "بردانة أنا" حبًّا بـ "النوستالجيا"، بل "بسبب نقص التمويل"، مؤكّدةً أنّ "الدراما اللبنانية تستحق أن تستعيد مكانتها".

وتلفت مرشليان إلى أنّ بعض الأعمال القديمة باتت تحقق اليوم انتشارًا أكبر مما حققته عند عرضها الأول. أما المسلسلات الجديدة، فرغم أنها تعبّر عن همومنا إلا أنها تخيف الناس لأنها تضعهم أمام واقعهم. وتتابع: "الرهجة التي رافقت مسلسلات مثل "روبي" و "جذور" و "قلبي دق" وغيرها من الأعمال، لم تعد موجودة بعدما فرّقت المنصات الجمهور. إذ لم يعد الناس يجتمعون في توقيت واحد أمام الشاشة، فتلاشى عنصر المفاجأة الجماعية الذي صنع قيمة الدراما قديمًا".

مرشليان دعت الدولة اللبنانية "إلى تشكيل لجنة رسميّة في سبيل إعادة إحياء الدراما اللبنانية، ووضع خطة واضحة لمساعدة القنوات التلفزيونيّة على شراء الإنتاجات المحليّة وتشجيع المنتجين والكُتّاب والممثلين على العمل من جديد".


لا زمن جميلًا في المُطلق

مُعدّ ومقدّم البرامج جان نخول الذي بات متخصّصًا في توثيق "الزمن الجميل" في الأغنية والتمثيل والبرامج وحتى السياسة، أشار في حديث مع "نداء الوطن" إلى أنّ الإنسان بطبيعته يميل إلى الحنين، والناس في المشرق عاطفيّون لذلك تكون "النوستالجيا" لديهم عالية، "من هنا يظنون أنّ القديم أجمل من الجديد، مع أن ما نشاهده اليوم ونعتبره عاديًا سيصبح بدوره بعد سنوات جزءًا من "النوستالجيا" التي نحفظها في ذاكرتنا". ويشير نخول إلى أنّ رغم تحسُّن ظروفنا الحاليّة مقارنةً مع ما عاشه الذين سبقونا، يبقى المرء يردّد "رزق الله ع هيديك الأيام"، رغم أنها كانت مليئة بالصعوبات".

لكن هل يرتبط الحنين بقيمة الأعمال الفنية؟ ينفي نخول ذلك، إنما يلفت في الوقت نفسه إلى أن الحنين مرتبط بالذكريات التي صاحبت تقديم تلك الأعمال، "فسنوات المراهقة والشباب هي الأغنى بالمشاعر والعواطف، وفيها يولد الحب الأول ونختبر التجربة الأولى والخسارة الأولى، وكلّ تلك المحطات ترتبط بالأعمال الفنيّة التي كانت تُعرض آنذاك، فتصبح جزءًا من وجداننا".

ينفي نخول وجود زمن جميل بالمعنى المطلق للكلمة، ويقول: "كلّ زمن يحمل جماله ونكساته. صحيح أن الماضي أنجب أسماء كبيرة مثل فيروز والرحابنة وصباح، لكنه أيضًا شهد أعمالًا هابطة لم تصمد مع الزمن لأنّ الذاكرة تحفظ ما يستحق البقاء فقط".

في المقابل، يؤكّد معدّ برنامج "صارو ميّة" أنّ "الأعمال الفنيّة الجديدة ليست أقلّ قيمة، فكل فترة زمنيّة تفرز إنتاجات مختلفة، منها ما هو ظاهرة سريعة الزوال، ومنها ما يترسّخ في ذاكرتنا ويثبت حضوره"، لذلك يرى جان نخول أن من الخطأ أن نحاكم الحاضر بقسوة.


القديم قاعدة للجديد

تقدير معدّ برنامج "كأنو مبارح" للأعمال الفنية القيّمة، قديمة كانت أم جديدة، تدفعه للتأكيد أنّ "إعادة نشر الأعمال القديمة لا تعيق تطوّر الفن، بل تمنحه قاعدة ينطلق منها. فكلّ عمل ناجح اليوم هو امتداد لأعمال سابقة تركت أثرًا في الجمهور، والدراما الجديدة تنطلق من الواقع المعاصر، لتبقى "النوستالجيا" عاملًا طبيعيًّا وضروريًّا، إنما من دون أن يعني ذلك أنه ينبغي تكرار الأعمال نفسها".

ويختم الإعلاميّ جان نخول مؤكّدًا رغبته في الاستمرار بتقديم الوثائقيات، وهدفه من ذلك الحفاظ على "النوستالجيا" والذاكرة الجماعية، "حيث كرّمتُ من خلالها رموزًا رحلوا، وآخرين لا يزالون في أوج عطائهم، لإثبات أنّ الفن الحقيقي قادر على ربط الماضي بالحاضر، وأنّ الاستمراريّة هي الامتداد الطبيعي للزمنَين معًا".


إذًا يبقى الحنين شعورًا يحمل الراحة والطمأنينة للإنسان، بمجرّد أن يعود بالذاكرة إلى زمن صفاء كان فيه، كلّما استعاد نغمًا أو صورة، لكن من دون أن يعني ذلك البقاء عالقين في الماضي. فالمستقبل مزيج من ماضٍ جميل ومن طموح حاضرٍ ومن جيل يسعى لتصير أعماله بعد حين "نوستالجيا" لأجيال مقبلة.