فيليب عادل حنين

من فؤاد بطرس إلى جوزاف عون... دروس في الشرف والمسؤولية

5 دقائق للقراءة

في وطنٍ أنهكته الصفقات والمجاملات، لا خلاص إلا بعودة القيم التي تحمي العدالة من الخيانة، وتعيد للدولة معناها وهيبتها.

في آخر تصريح له، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس اللبناني جوزاف عون، مثنيًا على الجهود التي يبذلها في ترسيخ سلطة الدولة على كامل أراضيها، ومع تأكيد دعمه له في مسار تعزيز سيادة الدولة ومعالجة ملف السلاح غير الشرعي.

قد يراه البعض مجاملة سياسية، لكنّه في جوهره اعتراف بعملٍ وطنيّ صامت يجب أن يُرى ويُقدَّر علناً. فالإصلاح حين يبقى في الخفاء، يفقد معناه ويثير الشك بدل الثقة.

الشعب لا يتعلّم من الهمس، بل من الشفافية. فإذا كانت القيادة تعمل فعلاً لإعادة هيبة الدولة، فعليها أن تُري اللبنانيين أنّ لا أحد يقف فوق القانون، وأن الكرامة الوطنية لا تُصان بالتسويات، بل بالمصارحة.

وإن كانت هذه الجهود تُبذل بصمت حفاظًا على الاستقرار، فذلك يُقدّر، لكن إن كان الصمت بحجة عدم جرح "المشاعر الطائفية" أو مراعاة "الاعتبارات السياسية"، فإننا نُعيد إنتاج الكارثة نفسها.

هذه الذهنية جعلت الدولة أسيرة الصفقات، والعدالة ضحية التوازنات.

نحن في زمن انقلبت فيه القيم: الفساد صار حكمة، والجبن صار واقعية، والمسايرة صارت وطنية.

ولعلّ أخطر ما في هذا المشهد أنّ بعض القوى السياسية والاقتصادية باتت تتقن لعبة الانهيار المنضبط، فتُبقي البلد على حافة الهاوية من دون سقوط، لتبقى هي الضامن الوحيد والمنتفع الدائم.

هكذا تحوّل النظام إلى شبكة مصالح متبادلة بين السياسة والمال، حيث تُدار الأزمات لا لحلّها بل لإطالة عمرها.

ورُوي أن عمر بن عبد العزيز سأل الحسن البصري: "بمن أستعين على الحكم يا بصري؟" فقال له: "أما أهل الدنيا فلا حاجة لك بهم، وأما أهل الدين فلا حاجة لهم بك." فسأله عمر: "فبمن أستعين إذن؟" قال: "عليك بأهل الشرف، فإن شرفهم يمنعهم عن الخيانة."

هذه الحكمة تلخّص مأساة لبنان اليوم.

نبحث عن الولاء لا عن الشرف، ونكافئ الانتماء لا الكفاءة.

نحتاج إلى رجالٍ يحملون المبدأ قبل المنصب، لأن الذين تربّوا على النفاق لا يُقيمون دولة بل يخرّبونها.

كما حذّر ابن خلدون قبل قرون بالقول: "لا تولّوا أبناء السفلة والسفهاء قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة، لأنهم إذا تولّوا ظلموا الأبرياء وأذلّوا الشرفاء حتى تسقط الدول وتنهار العروش."

وهذه ليست نبوءة قديمة بل وصف دقيق لواقعنا.

فحين يتقدّم أهل الولاء الأعمى على أهل الكفاءة، وحين يُقصى الشريف ويُكرَّم المنافق، لا تبقى دولة، بل غابة تحكمها الغرائز.

من ألمانيا التي واجهت ماضيها بالاعتراف، إلى جنوب إفريقيا التي تصالحت بشجاعة مع جراحها، تعلّم العالم أن الحقيقة لا تدمّر الأوطان بل تُنقذها.

أمّا نحن، فما زلنا نغلف الجرح بالإنكار.

من دمّر البلد بالسلاح دمّره لاحقًا بالفساد، ومن خان بالدم خان بالمال، ومن أفسد باسم الطائفة أفسد باسم الإصلاح.

الجميع يعلمون أن كثيرين ممن يرفعون اليوم شعار "الإصلاح"، هم أنفسهم من نسج خيوط المنظومة التي زرعت الفساد وحمته. لكن الهدف ليس فتح جراح قديمة، بل إقفالها بالعدالة لا بالتناسي. فالمجتمع الذي لا يواجه تاريخه بصدق، يظلّ رهينة من يستفيد من ضعفه. فحين تتحوّل السلطة إلى امتياز لا إلى مسؤولية، وإلى حماية لا خدمة، تُصبح الدولة عبئًا على مواطنيها بدل أن تكون درعًا لهم.

ومن أبلغ ما يُروى عن رجال الدولة الحقيقيين، ما حدث مع الوزير الراحل فؤاد بطرس، حين عرض عليه الرئيس رفيق الحريري سنة ١٩٩٦ أن يترشّح معه في دائرة بيروت. فابتسم بطرس بهدوئه المعهود وقال له: "المشكلة أن سقف السياسة في لبنان غير عالٍ، وأنا أعاني من ألم في ظهري يمنعني من الانحناء والتعايش مع هذا السقف..." (مذكرات فؤاد بطرس ص ٥٨٢)

لم تكن تلك المشكلة جسدية، بل أخلاقية. بتلك العبارة الساخرة المهذّبة، لخّص بطرس أزمة السياسة اللبنانية: كثيرون اختاروا الانحناء طوعًا ليبقوا في الصورة، بينما قلّة فقط اختارت أن تبقى واقفة، ولو وحدها.

أولئك الرجال هم الذين نحتاج إليهم اليوم، من يملكون شجاعة "اللا" حين تكون "اللا" هي الموقف الشريف، ومن يرفضون أن يربحوا مقعدًا على حساب كرامة وطن بأكمله.

من يخطئ يجب أن يُحاسَب، لا أن يُحمى. ومن يخاف من قول الحقيقة بحجة "الاستقرار"، يزرع الفوضى التي يدّعي أنه يحاربها.

لا قيام لدولة تُساوي بين الجريمة والحكمة، ولا بقاء لوطن تُدار فيه العدالة على طريقة "حسب الطائفة".

لبنان لا يحتاج إلى تسويات جديدة بل إلى شجاعة جديدة، لا إلى وعود بل إلى محاسبة، لا إلى حكّام يتحدّثون عن الإنقاذ، بل إلى رجال يعيشون شرف المسؤولية كما عاشها الكبار.

آن الأوان أن نختار بين التستّر والمصارحة، بين أهل الولاء وأهل الشرف، بين الخداع والحق.

من لا يجرؤ على قول الحقيقة اليوم، سيُجبر غداً على سماعها في شكل انهيار جديد.

إمّا أن نكتب فصلًا جديدًا من الصدق والمحاسبة، أو نترك التاريخ يعاقبنا بإعادة الدرس نفسه، حتى نتعلّم.